أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

31

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قال أبو علي : فأنث الإقدام لما كان العادة في المعنى . قال : وقد جاء في الكلام : « ما جاءت حاجتك » ، فأنث ضمير « ما » حيث كان الحاجة في المعنى ، ولذلك نصبت حاجتك . « وقال الزمخشري ، « وإنّما أنث » أن قالوا » لوقوع الخبر مؤنثا ، كقولهم : « من كانت أمّك » . قال الشيخ « 1 » : « وكلام الزمخشري ملفق من كلام أبي علي . وأما : « من كانت أمّك » فإنه حمل اسم كان على معنى « من » ، فإن لها لفظا مفردا مذكرا ، ولها معنى بحسب ما تريد من إفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث ، وليس الحمل على المعنى لمراعاة الخبر ، ألا ترى أنه يجيء حيث لا خبر ، كقوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ « 2 » : 1891 - . . . * نكن مثل من يا ذئب يصطحبان « 3 » قلت : ليت شعري ، ولأي معنى خص الزمخشري بهذا الاعتراض ، فإنّه وارد على أبي عليّ أيضا إذ القائل أن يقول : التأنيث في : « جاءت » للحمل على معنى « ما » فإنّ لها هي أيضا لفظا ومعنى مثل « من » ، على أنه يقال : للتأنيث علتان ، فذكر إحداهما . ورجح أبو عبيد قراءة الأخوين بقراءة أبىّ وابن مسعود : « وما كان فتنتهم إلّا أن قالوا » فلم تلحق الفعل علامة تأنيث . ورجّحها غيره بإجماعهم على نصب « حجتهم » من قوله تعالى : ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا « 4 » . وقرىء شاذا « ثمّ لم يكن فتنتهم إلّا أن قالوا : بتذكير « يكن » ورفع « فِتْنَتُهُمْ » ، ووجه شذوذها سقوط علامة التأنيث ، والفاعل مؤنث لفظا ، وإن كان غير حقيقي ، وجعل غير الأعرف اسما ، والأعرف خبرا ، فهي عكس القراءة الأولى من الطرفين . و « أَنْ قالُوا » مما يجب تأخيره لحصره ، سواء أجعل اسما أم خبرا . قوله : رَبِّنا قرأ الأخوان : « ربّنا » نصبا ، والباقون جرا . ونصبه إمّا على النداء وإمّا على المدح ، قاله ابن عطية ، وإمّا على إضمار أعني ، قاله أبو البقاء ، والتقدير : يا ربّنا . وعلى كل تقدير فالجملة معترضة بين القسم وجوابه ، وهو قوله : « ما كُنَّا مُشْرِكِينَ » . وخفضه من ثلاثة أوجه : النعت ، والبدل ، وعطف البيان . وقرأ عكرمة وسلام بن مسكين : « واللّه ربّنا » برفعهما على المبتدأ والخبر . قال ابن عطية : وهذا على تقديم وتأخير ، كأنهم قالوا : « واللّه ما كنّا مشركين ، واللّه ربّنا . « قلت يعني أن ثمّ قسما مضمرا . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 24 إلى 25 ] انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 24 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 25 ) قوله : كَيْفَ كَذَبُوا . « كَيْفَ » منصوب على حد نصبها في قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ « 5 » ، وقد تقدم بيانه ، و « كَيْفَ » وما بعدها في محل نصب ب « انْظُرْ » لأنها معلّقة لها عن العمل . وكذبوا وإن كان معناه مستقبلا ، لأنه في يوم القيامة ، فهو لتحقق

--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 95 ) . ( 2 ) سورة يونس ، آية ( 42 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) سورة الجاثية ، آية ( 25 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 28 ) .