أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

32

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أبرزه في صورة الماضي . وقوله : « وَضَلَّ » يجوز أن يكون نسقا على « كَذَبُوا » فيكون داخلا في حيّز النظر ، ويجوز أن يكون استئناف إخبار ، فلا يندرج في حيّز المنظور إليه . قوله : « ما كانُوا » يجوز في « ما » أن تكون مصدرية ، أي : وضلّ عنهم افتراؤهم ، وهو قول ابن عطية . ويجوز أن تكون موصولة اسمية ، أي : وضلّ عنهم الذي كانوا يفترونه ، فعلى الأول لا يحتاج إلى ضمير عائد على « ما » عند الجمهور ، وعلى الثاني لا بدّ من ضمير عند الجميع . قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ . راعى لفظ « مَنْ » فأفرد ، ولو راعى المعنى لجمع ، كقوله في موضع آخر : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ « 1 » . وقوله : عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ . إلى آخره حمل على معناها . قوله : « وَجَعَلْنا » « جعل هنا يحتمل أن تكون للتصيير ، فتتعدى لاثنين ، أولهما : « أَكِنَّةً » . والثاني : الجار قبله ، فيتعلق بمحذوف ، أي : صيرنا الأكنة مستقرة على قلوبهم . ويحتمل أن تكون بمعنى خلق ، فتتعدى لواحد ، ويكون الجار قبله حالا ، فيتعلق بمحذوف ، لأنه لو تأخر لوقع صفة ل « أَكِنَّةً » . ويحتمل أن تكون بمعنى ألقى ، فتتعلق « عَلى » بها ، كقولك : ألقيت على زيد كذا ، وقوله : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي « 2 » . وهذه الجملة تحتمل وجهين : أظهرهما : أنها مستأنفة ، سيقت للأخبار بما تضمنه من الختم على قلوبهم وسمعهم . ويحتمل أن تكون في محل نصب على الحال ، والتقدير : ومنهم من يستمع في حال كونه مجعولا على قلبه كنان ، وفي أذنه وقر . فعلى الأول يكون قد عطف جملة فعلية على اسمية ، وعلى الثاني : تكون الواو للحال ، وقد مضمرة عند من يقدرها قبل الماضي الواقع حالا . و « الأكنّة » جمع كنان ، وهو الوعاء الجامع ، قال : 1892 - إذا ما انتضوها في الوغى من أكنّة * حسبت بروق الغيث يأتي غيومها « 3 » وقال بعضهم : الكنّ بالكسر : ما يحفظ فيه الشيء ، وبالفتح : المصدر ، يقال : مننته كنّا ، أي جعلته في كنّ ، وجمع على أكان ، قال تعالى : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً « 4 » والكنان : الغطاء الساتر ، والفعل من هذه المادة يستعمل ثلاثيا ورباعيا ، يقال : كننت الشيء ، وأكننته كنّا وإكنانا ، إلّا أن الراغب فرق بين فعل وأفعل فقال . وخص كننت بما يستر من بيت ، أو ثوب ، أو غير ذلك من الأجسام ، قال تعالى : كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ « 5 » ، وأكننت بما يستر في النفس ، قال تعالى : أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ « 6 » . « قلت : ويشهد لما قال : قوله تعالى : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ « 7 » ، وقوله تعالى : ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ « 8 » . و « كنان » يجمع على أكنّة في القلة

--> ( 1 ) سورة يونس ، آية ( 42 ) . ( 2 ) سورة طه ، آية ( 39 ) . ( 3 ) البيت ذكره أبو حيان في البحر ( 4 / 97 ) ، وفيه ( هاجت ) بدل ( يأتي ) . ( 4 ) سورة النحل ، آية ( 81 ) . ( 5 ) سورة الصافات ، آية ( 49 ) . ( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 235 ) . ( 7 ) سورة الواقعة ، الآيات ( 77 - 48 ) . ( 8 ) سورة النمل ، آية ( 74 ) .