أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

30

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ « 1 » . و « جَمِيعاً » حال من مفعول « نَحْشُرُهُمْ » ، ويجوز أن يكون توكيدا عند من من النحويين كأجمعين ، وعطف هنا ب « ثُمَّ » للتراخي الحاصل بين الحشر والقول . ومفعولا « تَزْعُمُونَ » محذوفان للعلم بهما ، أي : تزعمونهم شركاء ، أو تزعمون أنهم شفعاؤكم . وقوله : ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ إن جعلنا الضمير في « نَحْشُرُهُمْ » عائدا على المفترين الكذب كان ذلك من باب إقامة الظاهر مقام المضمر ، إذ الأصل : ثم نقول لهم ، وإنما أظهر تنبيها على قبح الشرك . قوله : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ . قرأ حمزة والكسائي « يكن » بالياء من تحت ، فتنتهم » نصبا . وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم « تَكُنْ » بالتاء من فوق ، « فِتْنَتُهُمْ » رفعا . والباقون بالتاء من فوق أيضا ، « فِتْنَتُهُمْ » نصبا . فأما قراءة الأخوين فهي أفصح هذه القراءات ، لإجرائها على القواعد من غير تأويل ، وستعرفه في القراءتين الأخيرتين ، وإعرافها ظاهر ، وذلك أن « فِتْنَتُهُمْ » خبر مقدم ، و « أَنْ قالُوا » بتأويل اسم مؤخر ، والتقدير : ثم لم تكن فتنتهم إلّا قولهم ، وإنّما كانت أفصح لأنه إذا اجتمع إسمان أحدهما أعرف ، فالأحسن : جعله اسما محدثا عنه ، والآخر خبرا حديثا عنه ، و « أَنْ قالُوا » يشبه المضمر ، والمضمر أعرف المعارف « 2 » ، وهذه القراءة جعل الأعرف فيها اسما ل « كان » وغير الأعرف خبرها ، ولم يؤنث الفعل ، لإسناده إلى مذكر . وأما قراءة ابن كثير ومن معه ف « فِتْنَتُهُمْ » اسمها ، ولذلك أنث الفعل لإسناده إلى مؤنث ، و « أَنْ قالُوا » خبرها ، وفيه أنك جعلت غير الأعرف اسما ، والأعرف خبرا ، فليست في قوة الأولى . وأما قراءة الباقين ف « فِتْنَتُهُمْ » خبر مقدم ، و « إِلَّا أَنْ قالُوا » اسم مؤخر . وهذه القراءة وإن كان فيها جعل الأعرف اسما ، كالقراءة الأولى ، إلّا أنّ فيها لحاق علامة تأنيث في الفعل مع تذكير الفاعل ، ولكنه بتأويل ، فقيل : لأن قوله : « إِلَّا أَنْ قالُوا » في قوة : مقالتهم . وقيل : لأنه هو الفتنة في المعنى ، وإذا أخبر عن الشيء بمؤنث اكتسب تأنيثا ، فعومل معاملته . وجعل أبو علي منه : فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها « 3 » لما كانت هي الحسنات في المعنى عومل معاملة المؤنث ، فسقطت التاء من عدده . ومثل الآية قوله : 1889 - ألم يك غدرا ما فعلتم بشمعل * وقد خاب من كانت سريرته الغدر « 4 » ف كانت مسند إلى الغدر ، وهو مذكر ، لكن لما أخبر عنه بمؤنث أنث فعله . ومثله قول لبيد : 1890 - فمضى وقدّمها وكانت عادة * منه - إذا هي غرّدت - إقدامها « 5 »

--> ( 1 ) سورة الصافات ، آية ( 22 ) . ( 2 ) المعارف وإن اشتركت في أصل التعريف فهي تتفاوت في ذلك فبعضها . أعرف فكلما كان الاسم أخص كان أعرف واختلفوا في القول بأعرف المعارف بحسب انقسام المعارف فقال قوم : أعرف المعارف المضمر ثم الاسم العلم ثم المبهم ثم ما فيه الألف واللام وذهب آخرون إلى أن الاسم العلم أعرف المعارف ثم المضمر ثم المبهم ثم ما عرف بالألف واللام وهو مذهب الكوفيين وإليه ذهب أبو سعيد السيرافي . هذا بخلاف اسم اللّه تعالى فإنه أعرف المعارف إجماعا انظر ابن يعيش ( 5 / 87 ) ، الهمع ( 1 / 55 ) . ( 3 ) سورة الأنعام آية ( 160 ) . ( 4 ) البيت لأعشى تغلب انظر ابن الشجري ( 1 / 229 ) ، روح المعاني ( 7 / 123 ) . ( 5 ) انظر البيت في ديوانه ( 170 ) ، الخصائص ( 2 / 415 ) ، الإنصاف ( 2 / 772 ) ، شرح القصائد للتبريزي ( 175 ) ، شرح القصائد لابن النحاس ( 7 / 14 ) ، البحر ( 7 / 41 ) ، شرح المعلقات السبع للزوزني 105 . عرّدت : تركت الطريق وعدلت عنه . المعز : مضى الحمار وقدم الأتان ، وكان ذلك من عاداته .