أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

29

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أظهرها : أنه مبتدأ ، وخبره الجملة من قوله : فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، ودخلت الفاء لما عرفت من شبه الموصول بالشرط . الثاني : أنه نعت للذين آتيناهم الكتاب ، قاله الزجاج . الثالث : أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هم الذين خسروا . الرابع : أنه منصوب على الذم . وهذان الوجهان مفرعان على النعت ، لأنهما مقطوعان عنه . وعلى الأقوال الثلاثة الأخيرة يكون « فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » من باب عطف جملة اسمية على مثلها ، ويجوز أن يكون عطفا على « خَسِرُوا » ، وفيه نظر من حيث إنّه يؤدي إلى ترتب عدم الإيمان على خسرانهم . والظاهر أن الخسران هو المترتب على عدم الإيمان ، وعلى الوجه الأول يكون « الَّذِينَ خَسِرُوا » أعم من أهل الكتاب الجاحدين والمشركين ، وعلى غيره يكون خاصا بأهل الكتاب ، والتقدير : الذين خسروا أنفسهم منهم ، أي : من أهل الكتاب واستشكل على كونه نعتا الاستشهاد بهم على كفار قريش وغيرهم من العرب ، يعني : كيف يستشهد بهم ، ويذمون في آية واحدة ؟ فقيل « 1 » : إنّ هذا سيق للذم لا للاستشهاد . وقيل : بل سيق للاستشهاد ، وإن كان في بعض الكلام ذم لهم ، لأن ذلك بوجهين واعتبارين . قال ابن عطية : « يصح ذلك لاختلاف ما استشهد بهم فيه ، وما ذموا فيه ، وأن الذم والاستشهاد ليسا من جهة واحدة » . قوله : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ . . . فيه خمسة أوجه : أحدها : أنه منصوب بفعل مضمر بعده ، وهو على ظرفيته ، أي : ويوم نحشرهم كان كيت وكيت ، وحذف ليكون أبلغ في التخويف . والثاني : أنه معطوف على ظرف محذوف ، ذلك الظرف معمول لقوله : لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ « 2 » ، والتقدير : إنّه لا يفلح الظّالمون اليوم في الدّنيا ، ويوم نحشرهم ، قاله محمد بن جرير . الثالث : أنه منصوب بقوله : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا « 3 » وفيه بعد ، لبعده عن عامله بكثرة الفواصل . الرابع : أنه مفعول به ب « اذكر » مقدرا . الخامس : أنه مفعول به أيضا ، وناصبه احذروا ، أو اتقوا يوم نحشرهم ، كقوله : وَاخْشَوْا يَوْماً « 4 » ، وهو كالذي قبله فلا يعدّ خامسا . وقرأ الجمهور : « نَحْشُرُهُمْ » بنون العظمة ، وكذا : « ثُمَّ نَقُولُ » . وقرأ حميد ويعقوب بياء الغيبة فيهما ، وهو اللّه تعالى . والجمهور على ضم الشين من « نَحْشُرُهُمْ » ، وأبو هريرة بكسرها وهما لغتان في المضارع . والضمير المنصوب في « نَحْشُرُهُمْ » يعود على المفترين الكذب « 5 » . وقيل : على الناس كلّهم ، فيندرج هؤلاء فيهم ، والتوبيخ مختص بهم . وقيل : يعود على المشركين وأصنامهم ، ويدل عليه قوله : احْشُرُوا الَّذِينَ

--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 93 ) . ( 2 ) آية رقم ( 21 ) . ( 3 ) سورة الأنعام ، آية ( 24 ) . ( 4 ) سورة لقمان ، آية ( 33 ) . ( 5 ) في قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً الآية .