أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

28

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

نسقا على مفعول : « لِأُنْذِرَكُمْ » ، والتقدير : ولأنذر الذي بلغ الحلم ، فالعائد هنا مستتر في الفعل . والثالث : أن « مَنْ » مرفوعة المحل نسقا على الضمير المرفوع في « لِأُنْذِرَكُمْ » ، وجاز ذلك ، لأن الفصل بالمفعول والجار والمجرور أغنى من تأكيده ، والتقدير : لأنذركم به ولينذركم الذي بلغه القرآن . قوله : أَ إِنَّكُمْ الجمهور على القراءة بهمزتين ، أولاهما للاستفهام ، وهو استفهام تقريع وتوبيخ . وقد تقدم الكلام في قراءة مثل هذه ، قال الشيخ « 1 » : « وبتسهيل الثانية ، وبإدخال ألف بين الهمزة الأولى ، والهمزة المسهلة ، روى هذه الأخيرة الأصمعي عن أبي عمرو ونافع انتهى » . بل المروى عن أبي عمرو المدّ بين الهمزتين ، ولم يختلف عن قالون في ذلك . وقرىء بهمزة واحدة وهي محتملة للاستفهام ، وإنما حذفت لفهم المعنى ، ودلالة القراءة الشهيرة عليها . وتحتمل الخبر المحض . ثم هذه الجملة الاستفهامية يحتمل أن تكون منصوبة المحل ، لكونها في حيّز القول ، وهو الظاهر كأنه أمر أن يقول : أيّ شيء أكبر شهادة ، وأن يقول : أئنكم لتشهدون ، ويحتمل ألا تكون داخلة في حيّزه ، فلا محل لها حينئذ . و « أُخْرى » صفة ل « آلِهَةً » ، لأن ما لا يعقل يعامل جمعه معاملة الواحدة المؤنثة ، كقوله : مَآرِبُ أُخْرى « 2 » ، و الْأَسْماءُ الْحُسْنى . * قوله : إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ يجوز في « ما » هذه وجهان : أظهرهما : أنها كافة ل « أَنَّ » عن عملها ، و « هُوَ » مبتدأ ، و « إِلهٌ » خبره ، و « واحِدٌ » صفته . والثاني : أنها موصولة بمعنى الذي ، و « هُوَ » مبتدأ ، و « إِلهٌ » خبره وهذه الجملة صلة وعائد ، والموصول في محل نصب اسما ل « إنّ » ، و « واحِدٌ » خبرها ، والتقدير : إنّ الذي هو إله واحد ، ذكره أبو البقاء . وهو ضعيف ، ويدل على صحة الوجه الأول تعيّنه في قوله تعالى : إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ « 3 » ، إذ لا يجوز فيه أن تكون موصولة ، لخلو الجملة من ضمير الموصول ، وقال أبو البقاء - في هذا الوجه - : « وهو أليق بما قبله » . ولا أدري ما وجه ذلك . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 20 إلى 23 ] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 20 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 21 ) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 22 ) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ( 23 ) قوله : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ . . . الموصول مبتدأ ، و « يَعْرِفُونَهُ » خبره ، والضمير المنصوب يجوز عوده على الرسول ، أو على القرآن لتقدمه في قوله : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ ، أو على التوحيد ، لدلالة قوله : إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ، أو على كتابهم ، أو على جميع ذلك ، وأفرد الضمير باعتبار المعنى ، كأنه قيل : يعرفون ما ذكرنا وقصصنا . وقد تقدم إعراب هذه الجملة في البقرة « 4 » . قوله : الَّذِينَ خَسِرُوا في محله أربعة أوجه :

--> ( 1 ) البحر ( 4 / 92 ) . ( 2 ) سورة طه ، آية ( 12 ) . ( 3 ) سورة النساء ، آية ( 171 ) . ( 4 ) آية رقم ( 146 ) .