أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
277
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : أَنْ أَفِيضُوا . كأخواتها من احتمال التفسير والمصدرية . و « مِنَ الْماءِ » متعلّق ب « أَفِيضُوا » على أحد وجهين ، إمّا على حذف مفعوله ، أي : شيئا من الماء ، فهي تعبيضية ، طلبوا منهم البعض اليسير ، وإمّا على تضمين « أَفِيضُوا » معنى ما يتعدى ب « مِنَ » ، أي : أنعموا منه بالفيض . وقوله : أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ « أَوْ » هنا على بابها من اقتضائها لأحد الشيئين ، إما تخييرا ، أو إباحة ، أو غير ذلك مما يليق بها ، وعلى هذا يقال : كيف قيل : « حَرَّمَهُما » ، فأعيد الضمير مثنى ، وكان من حق من يقول : إنها لأحد الشيئين أن يعود مفردا على ما تقرر غير مرة ؟ وقد أجابوا بأن المعنى : « حرّم كلّا منهما . وقيل : إنّ « أَوْ » بمعنى « الواو » ، فعود الضمير واضح عليه . و « مِمَّا » : « ما » يجوز أن تكون موصولة اسمية ، وهو الظاهر ، والعائد محذوف ، أي : أو من الذي رزقكموه اللّه ، ويجوز أن تكون مصدرية ، وفيه مجازان : أحدهما : أنهم طلبوا منهم إفاضة نفس « الرزق » مبالغة في ذلك . والثاني : أن يراد بالمصدر : اسم المفعول ، كقوله : كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ « 1 » في أحد وجهيه . وقال الزمخشري : « أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ » من غيره من الأشربة ، لدخوله في حكم الإفاضة . ويجوز أن يراد : أو ألقوا علينا مما رزقكم اللّه من الطعام والفاكهة ، كقوله : 2219 - علفتها تبنا وماء باردا « 2 » قال الشيخ « 3 » : « وقوله : « أو ألقوا علينا ممّا رزقكم اللّه من الطعام والفاكهة » يحتمل وجهين ، أحدهما : أن يكون قوله : « أَفِيضُوا » ضمن معنى : ألقوا علينا من الماء ، أو ممّا رزقكم اللّه ، فيصح العطف . ويحتمل - وهو الظاهر من كلامه - أن يكون أضمر فعلا بعد « أَوْ » يصل إلى « مِمَّا رَزَقَكُمُ » ، وهو « ألقوا » ، وهما مذهبان للنحاة فيما عطف على شيء بحرف عطف ، والفعل لا يصل إليه ، والصحيح منهما التضمين ، لا الإضمار » . قلت : يعني الزمخشري أن الإضافة أصل استعمالها في الماء ، وما جرى مجراه من المائعات ، فقوله : « أو من غيره من الأشربة » تصحيح لتسلط الإفاضة عليه ، لأنه لو حمل « ما رزقكم اللّه » على الطعام والفاكهة لم يحسن نسبة الإفاضة إليهما إلّا بتجوز ، فذكر وجه التجوز بقوله : « ألقوا » ، ثم فسّره الشيخ بما ذكر ، وهو كما قال ، فإن العلف لا يسند إلى الماء ، فقوله : إمّا بالتضمين ، أي : تعديها ، ومثله : 2220 - . . . * وزجّجن الحواجب والعيونا « 4 » وقوله : 2221 - يا ليت زوجك قد غدا * متقلّدا سيفا ورمحا « 5 » وقوله تعالى : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ « 6 » ، وقد مضى من هذا جملة صالحة « 7 » . وزعم بعضهم أن
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 60 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) انظر البحر ( 4 / 305 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) سورة الحشر ، آية ( 9 ) . ( 7 ) سورة الأنعام ، آية ( 41 ) .