أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
27
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
شهادة . و « شَهِيدٌ » على هذين القولين خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو شهيد بيني وبينكم ، والجملة من قوله : « قُلْ » على الوجهين المتقدمين جواب ل « أَيُّ » من حيث اللفظ والمعنى . ويجوز أن تكون الجلالة مبتدأ ، و « شَهِيدٌ » خبرها ، والجملة على هذا جواب ل « أَيُّ » من حيث المعنى ، أي : أنها دالة على الجواب وليست به . قوله : شَهادَةً . . . « 1 » نصب على التمييز ، وهذا هو الذي لا يعرف النحاة غيره . وقال ابن عطية : « ويصح على المفعول ، بأن يحمل « أَكْبَرُ » على التشبيه بالصفة المشبهة باسم الفاعل » . وهذا ساقط جدا ، إذ قد نصّ النحويون على أن معنى شبهها باسم الفاعل في كونها تؤنث وتثنى وتجمع ، وأفعل من لا تؤنث ولا تثنى ولا تجمع ، فلم يشبه اسم الفاعل ، حتى أن الشيخ « 2 » نسب هذا الخباط إلى الناسخ دون أبي محمد . قوله : بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ متعلّق ب « شَهِيدٌ » وكان الأصل : قل اللّه شهيد بيننا ، فكررت بين توكيدا ، وهو نظير قوله : 1886 - فأيّي ما وأيّك كان شرّا * فقيد إلى المقامة لا يراها « 3 » وقوله : 1887 - يا ربّ موسى أظلمي وأظلمه * أرسل عليه ملكا لا يرحمه « 4 » وقوله : 1888 - فلئن لقيتك خاليين لتعلمنّ * أيّي وأيّك فارس الأحزاب « 5 » والجامع بينهما أنه لما أضاف إلى الياء وحدها احتاج إلى تكرير ذلك المضاف . وجوّز أبو البقاء أن يكون « بَيْنِي » متعلقا بمحذوف على أنه صفة ل « شَهِيدٌ » . فيكون في محل رفع ، والظاهر خلافه . قوله : « وَأُوحِيَ . . . » الجمهور على بنائه للمفعول ، وحذف الفاعل للعلم به ، وهو اللّه تعالى . و « الْقُرْآنُ » رفع به . وقرأ أبو نهيك ، والجحدري ، وعكرمة ، وابن السّميفع و « أُوحِيَ » ببنائه للفاعل ، و « الْقُرْآنُ » نصبا على المفعول به ، و « لِأُنْذِرَكُمْ » متعلق ب « أُوحِيَ » . قيل : وثمّ معطوف حذف لدلالة الكلام عليه ، أي : لأنذركم به ، وأبشّركم به ، كقوله : تَقِيكُمُ الْحَرَّ « 6 » وتقدم منه جملة صالحة . وقيل : لا حاجة إليه ، لأن المقام مقام تخويف . قوله : « وَمَنْ بَلَغَ » فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه في محل نصب عطفا على المنصوب في : « لِأُنْذِرَكُمْ » ، وتكون « مَنْ » موصولة ، والعائد عليها من صلتها محذوف ، أي : ولأنذر الذي بلغه القرآن . والثاني : أن في « بَلَغَ » ضميرا مرفوعا يعود على « مَنْ » ويكون المفعول محذوفا ، وهو منصوب المحل أيضا
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 21 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 91 ) . ( 3 ) البيت للعباس بن مرداس من أبيات قالها الخفاف بن ندبة انظر الكتاب ( 2 / 402 ) ، المقرب ( 1 / 212 ) ، الخزانة ( 4 / 367 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 2 / 131 ) ، مجاز القرآن ( 2 / 81 ) ، اللسان « قوم » . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) سورة النحل ، آية ( 81 ) .