أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
265
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
خلاف - الأول قول ابن درستويه ، والثاني قول الجمهور . وقال صاحب التحرير : « حتى هنا ليست للغاية ، بل هي ابتداء وخبر » . وهذا وهم ، إذ الغاية معنى لا يفارقها . وقوله : « بل هي ابتداء وخبر » تسامح في العبارة ، يريد : بل الجملة بعدها ، ثم الجملة التي بعدها في هذا المكان ليست ابتداء وخبرا ، بل هي جملة فعلية ، وهي : « قالُوا » ، و « إِذا » معمولة لها . وممن ذهب إلى أنها ليست هنا للغاية الواحدي ، فإنّه حكى في معنى الآية أقوالا ، ثم قال : « فعلى هذا القول معنى « حَتَّى » الانتهاء والغاية . وعلى القولين الأولين ليست « حَتَّى » في هذه الآية للغاية ، بل هي التي تقع بعدها الجمل ، وينصرف الكلام بعدها إلى الابتداء ، ك « أمّا ، وإذا » ، ولا تعلق لقوله : « حَتَّى إِذا » بما قبله ، بل هذا ابتداء خبر أخبر عنهم ، كقوله : 2206 - فيا عجبا حتّى كليب تسبّني * كأنّ أباها نهشل أو مجاشع « 1 » قلت : وهذا غير مرضي منه لمخالفته الجمهور . وقوله : « لا تعلق لها بما قبلها » ممنوع على جميع الأقوال التي ذكرها ، ولولا خوف الإطالة لأوردت ما يوهم كونه مانعا مما ذكر ، ولذكرت الانفصال عنه . والظاهر أنها إنما تتعلق بقوله : « يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ » . وقوله : « يَتَوَفَّوْنَهُمْ » في محل نصب على الحال وكتبت « أينما » متصلة ، وحقها الانفصال ، لأن « ما » موصولة ، لا صلة ، إذ التقدير : أين الّذين تدعونهم ؟ ولذلك كتب : إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ « 2 » و إِنَّمَا اللَّهُ « 3 » متصلا . وقوله : ضَلُّوا جواب من حيث المعنى ، لا من حيث اللفظ ، وذلك أن السؤال إنما وقع عن مكان الذين كانوا يدعونهم من دون اللّه ، فلو جاء الجواب على نسق السؤال لقيل : هم في المكان الفلاني ، وإنما المعنى : ما فعل معبودكم ، ومن كنتم تدعونهم ؟ فأجابوا بأنهم ضاعوا عنهم وغابوا ، قوله : « وَشَهِدُوا » يحتمل أن يكون نسقا على « قالُوا » الذي وقع جوابا لسؤال الرسل ، فيكون داخلا في الجواب أيضا ، ويحتمل أن يكون مستأنفا منقطعا عما قبله ، ليس داخلا في حيّز الجواب . كذا قال الشيخ « 4 » . وفيه نظر ، من حيث إنّه جعل هذه الجملة جوابا لعطفها على « قالُوا » ، و « قالُوا » في الحقيقة ليس هو الجواب ، إنما الجواب هو مقول هذا القول ، وهو « ضَلُّوا عَنَّا » ، ف « ضَلُّوا عَنَّا » هو الجواب الحقيقي الذي يستفاد منه الكلام ، ونظيره أن تقول : سألت زيدا ما فعل ؟ فقال : أطعمت وكسوت ، فنفس أطعمت وكسوت هو الجواب . وإذا تقرر هذا فكان ينبغي أن يقول : فيكون معطوفا على « ضَلُّوا عَنَّا » ، ثم لو قال كذلك لكان مشكلا من جهة أخرى ، وهو أنه كان يكون التركيب الكلامي : ضلّوا عنّا وشهدنا على أنفسنا أنا كنا ، إلا أن يقال : حكى الجواب الثاني على المعنى ، فهو محتمل على بعد بعيد . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 38 ] قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ ( 38 ) قوله : فِي أُمَمٍ .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة الأنعام ، آية ( 134 ) . ( 3 ) سورة النساء ، آية ( 171 ) . ( 4 ) انظر البحر ( 4 / 295 ) .