أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
266
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
يجوز أن يتعلق قوله : « فِي أُمَمٍ » ، وقوله : « فِي النَّارِ » كلاهما ب « ادْخُلُوا » ، فيجيء الاعتراض المشهور ، وهو كيف يتعلق حرفا جرّ متحدا اللفظ والمعنى بعامل واحد ؟ فيجاب بأحد وجهين ، إمّا أن « فِي » الأولى ليست للظرفية ، بل للمعية ، كأنه قيل : ادخلوا في أمم ، أي : مصاحبين لهم في الدخول ، وقد تأتي « فِي » بمعنى « مع » ، كقوله تعالى : وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ « 1 » ، وقول الشاعر : 2207 - شموس ودود في حياء وعفّة * رخيمة رجع الصّوت طيّبة النّشر وأما بأن « فِي النَّارِ » بدل من قوله : « فِي أُمَمٍ » وهو بدل اشتمال ، كقوله تعالى : أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ « 2 » ، فإنّ « النَّارِ » بدل من « الأخدود » . كذلك « فِي النَّارِ » بدل من « أُمَمٍ » بإعادة العامل ، بدل اشتمال ، وتكون الظرفية في « فِي » الأولى مجازا ، لأن الأمم ليسوا ظروفا لهم حقيقة ، وإنما المعنى : ادخلوا في جملة أمم وغمارهم . ويجوز أن يتعلق « فِي أُمَمٍ » بمحذوف على أنه حال ، أي : كائنين في جملة أمم ، و « فِي النَّارِ » متعلّق « خَلَتْ » ، أي : سبقتكم في النار . ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل « أُمَمٍ » ، فتكون « أُمَمٍ » قد وصفت بثلاثة أوصاف : الأول : الجملة الفعلية ، وهي قوله : « قَدْ خَلَتْ » . والثاني : الجار والمجرور ، وهو قوله : « مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ » . الثالث : قوله : « فِي النَّارِ » ، والتقدير : في أمم خالية من قبلكم كائنة من الجنّ والإنس مستقرة في النار . ويجوز أن يتعلق « فِي النَّارِ » بمحذوف أيضا لا على الوجه المذكور ، بل على كونه حالا من « أُمَمٍ » ، وجاز ذلك وإن كانت نكرة ، لتخصيصها بالوصفين المشار إليهما . ويجوز أن يكون حالا من الضمير في « خَلَتْ » ، إذ هو ضمير الأمم . وقدمت « الْجِنِّ » ، لأنهم الأصل في الإغواء . وقوله : « كُلَّما دَخَلَتْ » قد تقدم نظيرها . وهذه الجملة يحتمل أن تكون صفة ل « أُمَمٍ » أيضا ، والعائد محذوف ، أي : كلّما دخلت أمة منهم ، أي : من الأمم المتقدمة . وقوله : « حَتَّى » هذه غاية لما قبلها ، والمعنى : أنّهم يدخلون فوجا فوجا لاعنا بعضهم لبعض إلى انتهاء تداركهم فيها . والجمهور قرأوا « إِذَا ادَّارَكُوا » بوصل الألف وتشديد الدال ، والأصل تداركوا ، فلما أريد إدغامه فعل به ما فعل ب « ادّارأتم » ، وقد تقدم تحقيق تصريفه في البقرة . قال مكي : « ولا يستطاع اللفظ بوزنها مع ألف الوصل ، لأنك ترد الزائد أصليا ، فتقول : « افّاعلوا » فتصير « تاء » تفاعل « فاء » الفعل ، لإدغامها في « فاء » الفعل ، وذلك لا يجوز ، فإن وزنتها على الأصل ، فقلت : « تفاعلوا جاز » . قلت : هذا الذي ذكر من كونه لا يمكن وزنه إلا بالأصل ، وهو تفاعلوا ممنوع . قوله : لأنك ترد الزائد أصليا . قلنا : لا يلزم ذلك ، لأنا نزنه بلفظه مع همزة الوصل ، ونأتي بتاء التفاعل بلفظها ، فتقول : وزن « ادَّارَكُوا » : اتفاعلوا ، فنلفظ بالتاء اعتبارا بأصلها ، لا بما صارت إليه حال الإدغام . وهذه المسألة نصّوا على نظيرها ، وهو أن تاء الافتعال إذا أبدلت إلى حرف مجانس لما بعدها ، كما تبدل طاء أو دالا في نحو : اصطبر ، واضطرب ، وازدجر ، واذّكر إذا وزن ما هي فيه قالوا : نلفظ في الوزن بأصل تاء الافتعال ، ولا نلفظ بما صارت إليه من طاء ، أو دال ، فنقول : وزن اصطبر : افتعل ، لا افطعل ، ووزنه ازدجر : افتعل ، لا افدعل ، فلذلك نقول - هنا - وزن ادّاركوا : اتفاعلوا ، لا افّاعلوا ، فلا فرق بين تاء الافتعال والتفاعل في ذلك . وقرأ ابن مسعود
--> ( 1 ) سورة الأحقاف ، آية ( 16 ) . ( 2 ) سورة البروج ، الآيتان ( 4 - 5 ) .