أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
264
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
عليه ؟ ويصير هذا من باب الإخبار بالضروريات التي لا يجهل أحد معناها ، فيصير نظير قولك : إذا قمت فيما يأتي لم يتقدم قيامك فيما مضى ، ومعلوم أن قيامك في المستقبل لم يتقدم قيامك هذا . وقال الواحدي : إن قيل : ما معنى هذا مع استحالة التقديم على الأجل وقت حضوره ، وكيف يحسن التقديم مع هذا الأصل ؟ قيل : هذا على المقاربة ، نقول : جاء الشتاء ، إذا قرب وقته ، ومع مقاربة الأجل يتصور الاستقدام ، وإن كان لا يتصور مع الانقضاء والمعنى : لا يستأخرون عن آجالهم إذا انقضت ، قلت : هذا بناء منه على أنه معطوف على « لا يَسْتَأْخِرُونَ » وهو ظاهر أقوال المفسرين . وقوله : إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ . قد تقدم نظيره في البقرة « 1 » . و « مِنْكُمْ » صفة ل « رُسُلٌ » ، وكذلك « يَقُصُّونَ » ، وقدم الجار على الجملة ، لأنه أقرب إلى المفرد منها . وقوله : « فمن يحتمل أن تكون « من » شرطية ، وأن تكون موصولة ، فإن كان الأول كانت هي وجوابها جوابا للشرط الأول ، وهي مستقلة بالجواب دون الجملة التي بعد جوابها ، وهي : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا « 2 » . إن كان الثاني كانت هي وجوابها ، والجملة المشار إليها كلاهما جوابا للشرط ، كأنه قسّم جواب قوله : « إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ » متّق ومكذّب ، وجزاء كل منهما . وقد تقدم تحقيق هذا في البقرة « 3 » . وحذف مفعولي « اتَّقى » و « أَصْلَحَ » اختصارا للعلم بهما ، أي : اتقى ربه ، وأصلح عمله ، أو اقتصارا ، أي : فمن كان من أهل التقوى والصلاح من غير نظر إلى مفعول ، كقوله : وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى « 4 » . ولكن لا بدّ من تقدير رابط بين هذه الجملة وبين الجملة الشرطية ، والتقدير : فمن اتّقى منكم ، والذين كذّبوا منكم . وقرأ أبيّ والأعرج « تأتينّكم » بتاء مثناة من فوق ، نظرا إلى معنى جماعة الرسل ، فيكون قوله تعالى : يَقُصُّونَ بالياء من تحت حملا على المعنى ، إذ لو حمل على اللفظ لقال : « تقصّ » بالتأنيث أيضا . وقوله : مِنَ الْكِتابِ . في محل الحال من « نَصِيبُهُمْ » ، أي : حال كونه مستقرا من الكتاب . و « مِنَ » لابتداء الغاية . قوله : « حَتَّى إِذا » حتى هنا غاية ، و « إِذا » وما في حيّزها تقدم لك الكلام عليها غير مرة ، هل هي جارة ، أو حرف ابتداء ؟ وتقدم عبارة الزمخشري فيها « 5 » . واختلفوا فيها إذا كانت حرف ابتداء أيضا ، هل هي حينئذ جارة ، وتتعلق بما قبلها تعلق حروف الجر ، من حيث المعنى ، لا من حيث اللفظ ، والجملة بعدها في محل جر ، أو ليست بجارة ، بل حرف ابتداء فقط ، غير جارة وإن كان معناها الغاية ؟ كقوله : 2204 - سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهم * وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان « 6 » وقول الآخر : 2205 - فما زالت القتلى تبع دماءها * بدجله حتى ماء دجلة أشكل « 7 »
--> ( 1 ) آية ( 38 ) . ( 2 ) سورة الأعراف ، آية ( 36 ) . ( 3 ) آية ( 38 ) . ( 4 ) سورة النجم ، آية ( 48 ) . ( 5 ) سورة الأنعام ، آية ( 25 ) . ( 6 ) تقدم . ( 7 ) تقدم .