أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
259
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : فَرِيقاً هَدى ، وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ . في نصب « فَرِيقاً » وجهان : أحدهما : أنه منصوب ب « هَدى » بعده . و « فَرِيقاً » الثاني منصوب بإضمار فعل يفسّره قوله : « حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ » من حيث المعنى ، والتقدير : وأضلّ فريقا حقّ عليهم . وقدّره الزمخشري : « وخذل فريقا » . لغرض له في ذلك . والجملتان الفعليتان في محل نصب على الحال من فاعل « بَدَأَكُمْ » . أي : بدأكم حال كونه هاديا فريقا ، ومضلا آخر ، و « قد » مضمرة عند بعضهم . ويجوز على هذا الوجه أيضا أن تكون الجملتان الفعليتان مستأنفتين ، فالوقف على « تعودون على هذا الإعراب تاما ، بخلاف ما إذا جعلتهما حالين ، فالوقف على قوله : « الضَّلالَةُ » . الوجه الثاني : أن ينتصب « فَرِيقاً » على الحال من فاعل « تَعُودُونَ » ، أي : تعودون فريقا مهديّا ، وفريقا حاقّا عليه الضلالة ، وتكون الجملتان الفعليتان على هذا في محل نصب على النعت ل « فَرِيقاً » ، و « فَرِيقاً » ، فلا بدّ حينئذ من حذف عائد ، على الموصوف من « هَدى » ، أي : فريقا هداهم . ولو قدّرته « هداه » بلفظ الإفراد لجاز اعتبارا بلفظ « فريق » إلا أن الأحسن الأول لمناسبة قوله : وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ، والوقف حينئذ على قوله : الضَّلالَةُ . ويؤيد إعرابه حالا قراءة أبيّ بن كعب « تعودون فريقين ، فريقا هدى ، وفريقا حقّ عليهم الضّلالة » . ف « فريقين » نصب على الحال ، و « فَرِيقاً ، و فَرِيقاً » بدل ، أو منصوب بإضمار « أعني » على القطع . ويجوز أن ينتصب « فَرِيقاً » الأول على الحال من فاعل « تَعُودُونَ » ، و « فَرِيقاً » الثاني نصب بإضمار فعل يفسّره « حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ » كما تقدم تحقيقه في كل منهما وهذه الأوجه كلها ذكرها ابن الأنباري ، فإنّه قال كلاما حسنا ، قال : انتصب « فَرِيقاً ، و فَرِيقاً » على الحال من الضمير الذي في « تَعُودُونَ » ، يريد : « تعودون كما ابتدأ خلقكم مختلفين ، بعضكم أشقياء ، وبعضكم سعداء ، فاتصل « فريق » وهو نكرة بالضمير الذي في « تَعُودُونَ » ، وهو معرفة ، فقطع عن لفظه ، وعطف الثاني عليه . قال : « ويجوز أن يكون الأول منصوبا على الحال من الضمير ، والثاني منصوب ب « حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ » ، لأنه بمعنى : أضلهم ، كما يقول القائل : عبد اللّه أكرمته ، وزيدا أحسنت إليه فنصيب زيدا ب « أحسنت إليه » بمعنى : نفعته ، وأنشد : 2199 - أثعلبة الفوارس أم رياحا * عدلت بهم طهيّة والخشابا « 1 » نصب « ثعلبة » ب « عدلت بهم طهيّة » ، لأنه بمعنى : أهنتّهم ، أي : عدلت بهم من هو دونهم . وأنشد أيضا قوله : 2200 - يا ليت ضيفكم الزّبير وجاركم * إيّاي لبّس حبله بحبالي فنصب « إيّاي » بقوله : « لبّس حبله بحبالي » ، إذ كان معناه : خالطني وقصدني . قلت : يريد بذلك أنه منصوب بفعل مقدر من معنى الثاني ، لا من لفظه ، وهذا وجه التنظير . وإلى كون « فَرِيقاً » منصوبا ب « هَدى » ، و « فَرِيقاً » منصوبا ب « حَقَّ » ذهب الفراء ، وجعله نظير قوله تعالى : يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ ، وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً « 2 » . وقوله : إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا جار مجرى التعليل ، وإن كان استئنافا لفظا ، ويدل على ذلك قراءة
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة الإنسان ، آية ( 31 ) .