أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
260
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
عيسى بن عمر والعباس بن الفضل ، وسهل بن شعيب ، « إِنَّهُمُ » بفتح الهمزة ، وهي نصّ في العلية ، أي : حقّت عليهم الضلالة ، لاتخاذهم الشياطين أولياء . ولم يسند الإضلال إلى ذاته المقدسة ، وإن كان هو الفاعل لها ، تحسينا للفظ ، وتعليما لعباده الأدب ، وعليه : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ « 1 » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 32 ] قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 32 ) قوله : قُلْ مَنْ حَرَّمَ . استفهام معناه : التوبيخ والإنكار ، وإذا كان للإنكار فلا جواب له ، إذ لا يراد به استعلام ، ولذلك نسب مكي إلى الوهم في زعمه أن قوله : « قُلْ : هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا . . . إلى آخره » جوابه . وقوله : مِنَ الرِّزْقِ حال من « الطَّيِّباتِ » . قوله : « خالِصَةً » قرأها نافع رفعا ، والباقون نصبا . فالرفع من وجهين ، أحدهما أن تكون مرفوعة على المبتدأ ، وهو : « هِيَ » . و « لِلَّذِينَ آمَنُوا » متعلّق ب « خالِصَةً » ، وكذلك « يَوْمَ الْقِيامَةِ » . وقال مكي : « ويكون قوله : « لِلَّذِينَ » تبيينا . قلت : فعلى هذا تتعلق بمحذوف ، كقولهم : سقيا لك ، وجدعا له . و « فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » متعلّق ب « آمَنُوا » ، والمعنى : قل الطيبات خالصة للمؤمنين في الدّنيا ، يوم القيامة ، أي : تخلص يوم القيامة لمن آمن في الدنيا ، وإن كانت مشتركا فيما بينهم وبين الكفار في الدّنيا ، وهو معنى حسن . وقيل : المراد بخلوصها لهم يوم القيامة أنهم لا يعاقبون عليها ، وإلى تفسير هذا نحا سعيد بن جبير . الثاني : أن يكون خبرا بعد خبر ، والحبر الأول قوله : « لِلَّذِينَ آمَنُوا » . و « فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » على هذا متعلّق بما تعلق به الجار من الاستقرار المقدر . و « يَوْمَ الْقِيامَةِ » معمول ل « خالِصَةً » ، كما مرّ في الوجه قبله ، والتقدير : قل : الطيبات مستقرة وكائنة للذين آمنوا في الحياة الدنيا ، وهي خالصة لهم يوم القيامة ، وإن كانوا في الدنيا يشاركهم الكفار فيها . ولما ذكر الشيخ هذا الوجه لم يعلّق « فِي الْحَياةِ » إلا بالاستقرار ، ولو علق ب « آمَنُوا » كما تقدم في الوجه قبله لكان حسنا . وكون « خالِصَةً » خبرا ثانيا هو مذهب الزجاج ، واستحسنه الفارسي ، ثم قال : « ويجوز عندي . . . » فذكر الوجه الأول كما قررته ، ولكن بأخصر عبارة . والنصب من وجه واحد ، وهو الحال ، و « لِلَّذِينَ آمَنُوا » خبر « هِيَ » ، فيتعلق بالاستقرار المقدّر ، وسيأتي أنه باستقرار خاصّ في بعض التقادير عند بعضهم . و « فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » على ما تقدم من تعلقه ب « آمَنُوا » ، أو بالاستقرار المتعلق به « لِلَّذِينَ » . و « يَوْمَ الْقِيامَةِ » متعلّق أيضا ب « خالِصَةً » ، والتقدير : قل : الطيبات كائنة أو مستقرة للمؤمنين في الحياة حال كونهم مقدّرا خلوصها لهم يوم القيامة . وسمّي الفراء نصبها : على القطع ، فقال : « خالِصَةً » نصب على القطع ، وجعل خبر « هِيَ » في اللام التي في قوله : « لِلَّذِينَ » . قلت : يعني بالقطع : الحال . وجوز أبو علي أن يتعلق « فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » بمحذوف على أنه حال ، والعامل فيها ما يعمل في « لِلَّذِينَ آمَنُوا » . وجوّز الفارسي ، وتبعه مكي أن يتعلّق « فِي الْحَياةِ » ب « حَرَّمَ » ، والتقدير : من حرّم زينة اللّه في الحياة الدّنيا . وجوّز أيضا أن يتعلّق ب « الطَّيِّباتِ » . وجوّز الفارسي وحده أن يتعلّق ب « الرِّزْقِ » . ومنع مكي ذلك ، قال : « لأنك قد فرقت بينهما بقوله : « قُلْ : هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا » . يعني أن « الرِّزْقِ » مصدر ، فالمتعلق به من تمامه ، كما هو
--> ( 1 ) سورة النحل ، آية ( 9 ) .