أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

258

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« قُلْ » مع « أَقِيمُوا » ليحقق عطفيته على « أَمَرَ رَبِّي » . ويجوز أن يكون قوله : « وَأَقِيمُوا » معطوفا على أمر محذوف ، تقديره : قل : أقبلوا وأقيموا . وقال الجرجاني صاحب النظم : « نسق الأمر على الخبر ، وجاز ذلك ، لأن قوله : « قُلْ أَمَرَ رَبِّي » قول ، لأن الأمر لا يكون إلا كلاما ، والكلام قول ، وكأنه قال : قل : يقول ربّي : « أقسطوا وأقيموا » . يعني أنه عطف على المعنى . و « مَسْجِدٍ » هذا يحتمل أن يكون مكانا وزمانا . قال الزمخشري : « في وقت كلّ سجود ، وفي مكان كلّ سجود » . وكان من حقّ « مَسْجِدٍ » : « مسجد » بفتح العين ، لضمها في المضارع ، وله في هذا أخوات كثيرة مذكورة في التصريف . وقوله : « مُخْلِصِينَ » حال من فاعل « ادْعُوهُ » ، و « الدِّينَ » مفعول به الفاعل ، و « لَهُ » متعلّق ب « مُخْلِصِينَ » ، ويجوز أن يتعلق محذوف على أنه حال من « الدِّينَ » . قوله : « كَما بَدَأَكُمْ » الكاف في محل نصب نعتا لمصدر محذوف ، تقديره : تعودون عودا مثل ما بدأكم . وقيل : تقديره : تخرجون خروجا مثل ما بدأكم ، ذكرهما مكي . والأول أليق بلفظ الآية الكريمة . وقال ابن الأنباري : موضع الكاف في « كَما » نصب ب « تَعُودُونَ » ، وهو على مذهب العرب في تقديم مفعول الفعل عليه ، أي : تعودون كما ابتدأ خلقكم . قال الفارسي : « كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ » ليس على ظاهره ، إذ ظاهره : تعودون على البدء ، وليس المعنى تشبيههم بالبدء ، إنما المعنى على إعادة الخلق كما ابتدىء ، فتقدير : « كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ » : كما بدأ خلقكم ، أي : يجيء خلقكم عودا كبدئه ، وكما أنه لم يعن بالبدء ظاهره من غير حذف المضاف إليه ، كذلك لم يعن بالعود من غير حذف المضاف الذي هو الخلق ، فما حذف قام المضاف إليه مقام الفاعل ، فصار الفاعلون مخاطبين ، كما أنه لما حذف المضاف من قوله : « كما بدأ خلقكم » صار المخاطبون مفعولين في اللفظ » . قلت : يعني أن الأصل كما بدأ خلقكم يعود خلقكم ، ففحذف الخلق في الموضعين ، فصار المخاطبون في الأول مفعولين ، بعد أن كانوا مجرورين بالإضافة ، وفي الثاني صاروا فاعلين بعد أن كانوا مجرورين بالإضافة أيضا . و « بدأ - بالهمز - : أنشأ واخترع ، ويستعمل بهذا المعنى ثلاثيا ورباعيا على « أفعل » ، فالثلاثي كهذه الآية ، وقد جمع بين الاستعمالين في قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ « 1 » فهذا من أبدأ ، ثم قال : كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ، هذا فيما يتعدى بنفسه ، وأما ما يتعدى بالباء نحو : بدأت بكذا بمعنى : قدمته وجعلته أول الأشياء ، يقال منه : بدأت به ، وابتدأت به . وحكى الراغب أيضا أنه يقال من هذا أبدأت به على أفعل - وهو غريب - ، وقولهم : أبدأت من الأرض كذا ، أي : ابتدأت منها بالخروج . والبدء السّيّد ، سمّي بذلك قيل : لأنه يبدأ به العدّ ، إذا عدّ السادات ، وذكروا : وعليه قوله : 2197 - فجئت قبورهم بدءا ولمّا * فناديت القبور فلم يجبنه « 2 » أي : جئت قبور قومي سيدا ، ولم أكن سيدا ، لكن بموتهم صرت سيّدا ، وهذا نظير قول الآخر : 2198 - خلت الدّيار فسدت غير مسوّد * ومن العناء تفرّدي بالسّود « 3 » و « ما » مصدرية ، أي : كبدئكم .

--> ( 1 ) سورة العنكبوت ، آية ( 19 ) . ( 2 ) انظر البيت في الهمع ( 2 / 57 ) ، المغني ( 1 / 80 ) ، الصاحبي ( 219 ) ، الأشموني ( 4 / 6 ) ، اللسان ( لمم ) الخزانة ( 10 / 113 ) . ( 3 ) انظر البيت في شرح الحماسة ( 2 / 807 ) ، أمالي المرتضى ( 1 / 388 ) .