أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

25

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الباء هنا للتعدية ، وكذا في « بِخَيْرٍ » ، والمعنى : وإن يمسسك اللّه الضر ، أي : يجعلك ماسا له ، وإذا مسست الضرّ فقد مسّك ، إلا أن التعدية بالباء في الفعل المتعدي قليلة جدا ، ومنه قولهم : صككت أحد الحجرين بالآخر . وقال الشيخ « 1 » : ومنها قوله : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ « 2 » . وقال الواحدي : إن قيل : إنّ المسّ من صفة الأجسام ، فكيف قال : « وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ » ؟ فالجواب : أن الباء هنا للتعدية ، والباء والألف يتعاقبان في التعدية ، والمعنى : إن أمسك اللّه ضرّا ، أي جعله ماسّك ، فالفعل للضرّ ، وإن كان في الظاهر قد أسند إلى اسم اللّه تعالى ، كقولك : ذهب زيد بعمرو كان الذهاب فعلا ل « عمرو » ، غير أن زيدا هو المسبب له ، والحامل عليه كذلك ههنا المسّ للضرّ ، واللّه تعالى جعله ماسّا . قوله : فَلا كاشِفَ لَهُ . . . « لَهُ » خبر « لا » ، وثمّ محذوف تقديره : فلا كاشف له عنك ، وهذا المحذوف ليس متعلقا ب « كاشِفَ » إذ كان يلزم تنوينه وإعرابه ، بل يتعلق بمحذوف ، أي أعني : عنه . و « إِلَّا هُوَ » فيه وجهان : أحدهما : أنه بدل من محل « لا كاشف » ، فإنّ محله الرفع على الابتداء . والثاني : أنه بدل من الضمير المستكن في الخبر . ولا يجوز أن يرتفع باسم الفاعل ، وهو : « كاشِفَ » ، لأنه يصير مطولا ، ومتى كان مطولا أعرب نصبا . وكذلك لا يجوز أن يكون بدلا من الضمير المستكن في « كاشِفَ » للعلة المتقدمة ، إذ البدل يحل محل المبدل منه . فإن قيل : المقابل للخير هو الشر ، فكيف عدل عن لفظ الشر ؟ فالجواب : أنه أراد تغليب الرحمة على ضدها ، فأتى في جانب الشر بأخص منه ، وهو الضر ، وفي جانب الرحمة بالعام الذي هو الخير تغليبا لهذا الجانب » . قال ابن عطية : ناب الضر هنا مناب الشر ، وإن كان الشر أعم منه ، فقابل الخير ، وهذا من الفصاحة عدول عن قانون التكلف والصنعة ، فإنّ باب التكلف ترصيع الكلام : أن يكون الشيء مقترنا بالذي يختص به بنوع من أنواع الاختصاص موافقة أو مضاهاة ، فمن ذلك : إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ، وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى « 3 » فجاء بالجوع مع العرى ، وبابه أن يكون مع الظمأ ومنه قول امرئ القيس : كأنّي لم أركب جواد للذّة * ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال « 4 » 1884 - ولم أسبأ الزّقّ الرّويّ ولم أقل * لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال ولم يوضح ابن عطية ذلك ، وإيضاحه في آية طه اشتراك الجوع والعرى في شيء خاص ، وهو الخلو ، فالجوع خلو وفراغ في الباطن ، والعرى : خلو وفراغ في الظاهر ، واشتراك الظمأ والضحاء في الاحتراق ، فالظمأ احتراق في الباطن ، ولذلك تقول : برّد الماء حرارة كبدي ، وأوار « 5 » عطشي والضحاء : احتراق الظاهر . وأما البيتان فالجامع بين الركوب للذة ، وهو الصيد ، وتبطن الكاعب اشتراكهما في لذة الاستعلاء والقهر ، والاقتناص ، والظفر بمثل هذا المركوب ، ألا ترى إلى تسميتهم هن المرأة ركبا ، بفتح الراء والكاف ، وهو فعل بمعنى مفعول كقوله :

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 87 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 251 ) . ( 3 ) سورة طه ، الآيتان ( 118 ، 119 ) . ( 4 ) انظر ديوانه ( 35 ) ، العمدة ( 1 / 259 ) ، الوساطة ( 195 ) ، حاشية الشيخ يس ( 1 / 220 ) ، والبيت الأول في التصريح ( 1 / 112 ) ، التهذيب « نبط » . والمغني يقول : ذهب عني الشباب وتغيرت بي الحالي ، كأني لم أستلذ بالكواعب ذوات الحلى وركوب الخيل للصيد وكأني لم أشتر الزق المملوء خمرا ، ولم أعطف في إثر من انهزم من أصحابي على العدو وأكر عليهم . ( 5 ) أي شدة العطش اللسان « أور » .