أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
24
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
صرف ، والكسر كسر إعراب ، وقد أوضحت ذلك إيضاحا شافيا في غير هذا « 1 » الموضوع . الرابع : أن القائم مقامه « عَنْهُ » والضمير في « عَنْهُ » يعود على « مَنْ » . و « يَوْمَئِذٍ » منصوب على الظرف ، والعامل فيه : « يُصْرَفْ » . ولا يجوز الوجهان الأخيران ، أعني : نصبه على الحال ، لأن الضمير للجثة ، والزمان لا يقع حالا عنها ، كما لا يقع خبرا ، وأعني : كونه معمولا للعذاب إذ ليس هو قائما مقام الفاعل . والثاني - من وجهي « مَنْ » - أنها في محل نصب بفعل مضمر يفسره الظاهر بعده ، وهذا إذا جعلنا « عَنْهُ » في محل نصب ، بأن نجعل القائم مقام الفاعل إمّا ضمير العذاب ، وإمّا « يَوْمَئِذٍ » والتقدير : من يكرم اللّه ، أو من ينج اللّه يصرف عنه العذاب ، أو هول يومئذ ، ونظيره : زيدا مرّ به مرور حسن أقمت المصدر فبقي « عَنْهُ » منصوب المحل ، والتقدير : جاوزت زيدا مر به مرور حسن . وأما إذا جعل « عَنْهُ » قائما مقام الفاعل تعين رفعه بالابتداء . وأعلم أنه متى قلت : منصوب على الاشتغال ، فإنما يقدّر الفعل بعد من لأن لها صدر الكلام ، ولذلك لم أظهره إلا مؤخرا ، ولهذه العلة منع بعضهم الاشتغال فيما له صدر الكلام ، كالاستفهام والشرط . والتنوين في « يَوْمَئِذٍ » عوض عن جملة محذوفة تضمنها الكلام السابق ، التقدير : يوم إذ يكون الجزاء . وإنّما قلت كذلك لأنه لم يتقدم في الكلام جملة مصرح بها يكون التنوين عوضا منها ، وقد تقدم خلاف الأخفش . وهذه الجملة الشرطية يجوز فيها وجهان : الاستئناف ، والوصف ل « عَذابَ » فحيث جعلنا فيها ضميرا يعود على « عَذابَ يَوْمٍ » . إمّا من « يُصْرَفْ » ، وإما من « عَنْهُ » جاز أن تكون صفة ، وهو الظاهر . وأن تكون مستأنفة ، حيث لم نجعل فيها ضميرا يعود عليه ، وقد عرفت كيفية ذلك تعين أن تكون مستأنفة ، ولا يجوز أن تكون صفة لخلوها من الضمير . وقد تكلم الناس في ترجيح إحدى هاتين القراءتين على الأخرى ، وذلك على عادتهم ، فقال أبو علي الفارسي : قراءة « يُصْرَفْ » - يعني : المبني للفاعل - أحسن لمناسبة قوله : « رَحِمَهُ » . يعني أن كلّا منهما مبني للفاعل ، ولم يقل : فقد رحم ، واختارها أبو حاتم ، وأبو عبيد ، ورجّح بعضهم قراءة المبني للمفعول بإجماعهم على قراءة قوله : « ليس مصروفا عنهم » ، يعني في كونه أتى بصيغة اسم المفعول المسند إلى ضمير العذاب المذكور أولا . ورجحها محمد بن جرير بأنها أقل إضمارا . ومكي - رحمه اللّه - تلعثم في كلامه في ترجيحه لقراءة الأخوين ، وأتى بأمثلة فاسدة في كتاب الهداية ، قاله ابن عطية . وقد قدمت « 2 » أول الكتاب عن العلماء ثعلب ، وغيره ، أن ذلك - أعني : ترجيح إحدى القراءات المتواترة على الأخرى ، بحيث يضعف الأخرى لا يجوز . والجملة من قوله : « فَقَدْ رَحِمَهُ » في محل جزم على جواب الشرط ، والفاء واجبة . قوله : وَذلِكَ الْفَوْزُ مبتدأ وخبر ، جيء بهذه الجملة مقررة لما تقدم من مضمون الجملة قبلها والإشارة ب « بذلك » إلى المصدر المفهوم من قوله : « يُصْرَفْ » ، أي : ذلك الصرف . و « الْمُبِينُ » يحتمل أن يكون متعديا ، فيكون المفعول محذوفا ، أي : المبين غيره ، وأن يكون قاصرا بمعنى : يبين ، وقد تقدم أن أبان يكون قاصرا بمعنى ظهر ، ومتعديا بمعنى أظهر . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 17 إلى 18 ] وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 17 ) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 18 ) قوله : بِضُرٍّ .
--> ( 1 ) انظر سورة هود ، آية ( 66 ) . ( 2 ) سورة الفاتحة ، آية ( 4 ) .