أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
232
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
زمنا قليلا تذكركم ، أي : أنهم لا يقع تذكرهم إلّا في بعض الأحيان ، ونظيره : « زمنا قليلا قيامك » . وقد قيل : إنّ « ما » هذه نافية ، وهو بعيد ، لأن « ما » لا يعمل ما بعدها فيما قبلها عند البصريين وعلى تقدير تسليم ذلك فيصير المعنى : ما تذكّرون قليلا ، وليس بطائل ، وهذا كما سيأتي في قوله تعالى : كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ « 1 » عند من جعلها نافية . وهناك وجه لا يمكن أن يأتي هنا ، وهو أن تكون « ما » مصدرية ، وهي وما بعدها في محل رفع بالفاعلية ب « قَلِيلًا » الذي هو خبر « كان » ، والتقدير : كانوا قليلا هجوعهم . وأما هنا فلا يمكن ذلك لعدم صحة نصب « قَلِيلًا » بقوله : « وَلا تَتَّبِعُوا » ، حتى يجعل « ما تَذَكَّرُونَ » مرفوعا به . ولا يجوز أن يكون « قَلِيلًا » حالا من فاعل « تَتَّبِعُوا » ، و « ما تَذَكَّرُونَ » مرفوع به ، إذ يصير المعنى أنهم نهوا عن الاتباع في حال قلة تذكرهم وليس ذلك بمراد . وقرأ الأخوان وحفض « تَذَكَّرُونَ » بتاء واحدة وتخفيف الذال ، وابن عامر بتاءين وتخفيف الذال ، والباقون بتاء وتشديد الذال ، وهي واضحات ، تقدم معناها في الأنعام « 2 » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 4 ] وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ ( 4 ) قوله : وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها . في « كَمْ » وجهان : أحدهما : أنها في موضع رفع بالابتداء ، والخبر الجملة بعدها ، و « مِنْ قَرْيَةٍ » تمييز ، والضمير في « أَهْلَكْناها » عائد على معنى « كَمْ » ، وهي هنا خبرية للتكثير ، والتقدير : وكثير من القرى أهلكناها . ونقل أبو البقاء عن بعضهم أنه جعل « أَهْلَكْناها » صفة ل « قَرْيَةٍ » ، والخبر قوله : « فَجاءَها بَأْسُنا » ، قال : « وهو سهو ، لأن الفاء تمنع من ذلك » . قلت : ولو ادعى مدع زيادتها على مذهب الأخفش لم تقبل دعواه ، لأن الأخفش إنما يزيدها عند الاحتياج إلى زيادتها . والثاني : أنها في موضع نصب على الاشتغال بإضمار فعل يفسره ما بعده ، ويقدر الفعل متأخرا عن « كَمْ » لأن لها صدر الكلام ، والتقدير : وكم من قرية أهلكناها أهلكناها . وإنما كان لها صدر الكلام ، لوجهين : أحدهما : مضارعتها ل « كَمْ » الاستفهامية . والثاني : أنها نقيضة « ربّ » ، لأنها للتكثير ، و « ربّ » للتقليل ، فمل النقيض على نقيضه ، كما يحملون النظير على نظيره . ولا بدّ من حذف مضاف في الكلام ، لقوله تعالى : « أَوْ هُمْ قائِلُونَ » ، فاضطررنا إلى تقدير محذوف ، ثم منهم من قدّره قبل « قَرْيَةٍ » : أي : كم من أهل قرية ، ومنهم من قدّره قبل ها في « أَهْلَكْناها » ، أي أهلكنا أهلها . وهذا ليس بشيء ، لأن التقادير إنما تكون لأجل الحاجة ، والحاجة لا تدعو إلى تقدير هذا المضاف في هذين الموضعين المذكورين ، لأن إهلاك القرية يمكن أن يقع عليها نفسها ، فإنّ القرى قد تهلك بالخسف والهدم والحريق والغرق ونحوه . وإنما يحتاج إلى ذلك عند قوله : « فَجاءَها » ، لأجل عود الضمير من قوله : « هُمْ قائِلُونَ » عليه ، فيقدر : وكم من قرية أهلكناها فجاء أهلها بأسنا . قال الزمخشري : « فإن قلت : هل يقدر المضاف الذي هو الأهل قبل « قَرْيَةٍ » أو قبل الضمير في « أَهْلَكْناها » ؟ قلت : إنما يقدر المضاف للحاجة ، ولا حاجة ، فإنّ القرية تهلك
--> ( 1 ) سورة الذاريات ، آية ( 17 ) . ( 2 ) آية ( 152 ) .