أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
233
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
كما يهلك أهلها . وإنما قدرناه قبل الضمير في « فَجاءَها » لقوله : « أَوْ هُمْ قائِلُونَ » . « وظاهر الآية أن مجيء البأس بعد الإهلاك وعقيبه ، لأن الفاء تعطي ذلك ، لكن الواقع إنما هو مجيء البأس ، وبعده يقع الإهلاك . فمن النحاة من قال : الفاء تأتي : بمعنى الواو ، فلا ترتب ، وجعل من ذلك هذه الآية ، وهو ضعيف . والجمهور أجابوا عن ذلك بوجهين : أحدهما : أنه على حذف الإرادة ، أي : أردنا إهلاكها ، كقوله : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ « 1 » ، فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ « 2 » ، « إذا دخل أحدكم الخلاء فليسمّ اللّه » . الثاني : أن المعنى : « أَهْلَكْناها » أي : خذلناهم ، ولم نوفقهم فنشأ عن ذلك هلاكهم ، فعبر بالمسبب عن سببه ، وهو باب واسع . وثم أجوبة ضعيفة منها أن الفاء هنا تفسيرية ، نحو : « توضّأ فغسل وجهه ثمّ يديه » ، فليست للتعقيب ، ومنها أنها للترتيب في القول فقط ، كأنه أخبر عن قرى كثيرة أنه أهلكها ، ثم قال : فكان من أمرها مجيء البأس . ومنها ما قاله الفراء وهو أن الإهلاك هو مجيء البأس ، ومجيء البأس ، هو الإهلاك ، فلما كانا متلازمين لم يبال بأيهما قدمت في الرتبة ، كقول : « شتمني فأساء وأساء فشتمني » ، فالإساءة والشتم شيء واحد » . فهذه ستة أقوال . واعلم أنه إذا حذف مضاف وأقيم المضاف إليه مقامه جاز لك اعتباران : أحدهما : الالتفات إلى ذلك المحذوف . والثاني - وهو الأكثر - : عدم الالتفات إليه ، وقد جمع الأمران ههنا ، فإنه لم يراع المحذوف في قوله : « أَهْلَكْناها فَجاءَها » ، وراعاه في قوله : « أَوْ هُمْ قائِلُونَ » ، هذا إذا قدرنا الحذف قبل « قَرْيَةٍ » . أما إذا قدرنا الحذف قبل ضمير « فَجاءَها » ، فإنه لم يراع إلا المحذوف فقط ، وهو غير الأكثر . قوله : « بَياتاً » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه منصوب على الحال ، وهو في الأصل مصدر ، يقال : بات يبيت بيتا وبيتة وبياتا وبيتوتة . قال الليث : « البيتوتة : لدخولك في الليل . فقوله : « بَياتاً » أي : بائتين . وجوّزوا أن يكون مفعولا له ، وأن يكون في حكم الظرف . وقال الواحدي : قوله : « بَياتاً » ، أي : ليلا وظاهر هذه العبارة أن يكون ظرفا ، لولا أن يقال : أراد تفسير المعنى . قوله : أَوْ هُمْ قائِلُونَ هذه الجملة في محل نصب نسقا على الحال ، و « أَوْ » هنا للتنويع ، لا لشيء آخر ، كأنه قيل : أتاهم بأسنا تارة ليلا ، كقوم لوط ، وتارة وقت القيلولة ، كقوم شعيب . وهل يحتاج إلى تقدير « واو » حال قبل هذه الجملة أم لا ؟ خلاف بين النحويين . قال الزمخشري : « فإن قلت : لا يقال : « جاء زيد هو فارس » بغير « واو » ، فما بال قوله تعالى : « أَوْ هُمْ قائِلُونَ » ؟ قلت : قدّر بعض النحويين الواو محذوفة وردّه الزجاج ، وقال : « لو قلت : جاءني زيد راجلا ، أو هو فارس - أو : جاءني زيد هو فارس ، لم يحتج إلى « واو » ، لأن الذكر قد عاد على الأول » . والصحيح أنها إذا عطفت على حال قبلها حذفت الواو استثقالا ، لاجتماع حرفي عطف ، لأن واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل ، فقولك : « جاء زيد راجلا أو هو فارس » كلام فصيح وارد على حده ، وأما « جاءني زيد هو فارس » فخبيث . « قال الشيخ : « أما بعض النحويين الذي أبهمه الزمخشري فهو الفراء . وأما قول الزجاج : التمثيلين لم يحتج فيه إلى الواو ، لأن الذكر قد عاد على الأول ، ففيه إبهام ، وتعيينه أنه يمتنع دخولها في المثال الأول ، ويجوز في المثال
--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية ( 6 ) . ( 2 ) سورة النحل ، آية ( 98 ) .