أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

210

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

حيث إنّه حذف العائد المنصوب ، وقد تقدم ما في ذلك في المائدة عند قوله : أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ « 1 » ، وأيضا فقدّر العائد متصلا ، وينبغي ألا يقدر إلا منفصلا ، ولكنه يشكل حذفه ، وقد تقدم تحقيقه أول البقرة « 2 » ، وقال ابن عطية : « ذلِكَ » في موضع رفع . « ولم يبيّن على أي الوجهين المتقدمين ، وينبغي أن يحمل على الأول ، لضعف الثاني . الثالث : أنه منصوب على المصدر ، وهو ظاهر كلام الزمخشري ، فإنّه قال : ذلك الجزاء جزيناهم ، وهو تحريم الطيبات » . إلا أنّ هذا قد ينخدش بما نقله ابن مالك : وهو أن المصدر إذا أشير إليه وجب أن يتبع بذلك المصدر ، فيقال : ضربت ذلك الضرب ، وقمت هذا القيام ، ولو قلت : ضربت زيدا ذلك ، وقمت هذا ، لم يجز ذكر « ذلِكَ » في الرد على من أجاب عن قول المتنبي : 2130 - هذي برزت لنا فهجت رسيسا * ثمّ انثنيت وما شفيت نسيسا « 3 » فإنهم لحنوا المتنبي من حيث إنّه حذف حرف النداء من اسم الإشارة ، إذ الأصل : يا هذي . فأجابوا عنه بأنا لا نسلم أن « هذي » منادى ، بل إشارة إلى المصدر ، كأنه قال : برزت هذه البرزة ، فرد ابن مالك هذا الجواب بأنه لا ينتصب اسم الإشارة مشارا به إلى المصدر ، إلا وهو متبوع بالمصدر » . وإذا سلم هذا فيكون ظاهر قول الزمخشري إنّه منصوب على المصدر مردودا بما ردّ به الجواب عن بيت المتنبي ، إلّا أن رد ابن مالك ليس بصحيح ، لورود اسم الإشارة مشارا به إلى المصدر غير متبوع به ، قال الشاعر : 2131 - يا عمرو إنّك قد مللت صحابتي * وصحابتيك إخال ذاك قليل « 4 » قال النحويون : « ذلك » إشارة إلى مصدرا « خال » المؤكد له ، وقد أنشده هو على ذلك . الرابع : أنه منصوب على أنه مفعول ثان قدم على عامله ، لأن « جزى » يتعدى لاثنين ، والتقدير : جزيناهم ذلك التحريم . وقال أبو البقاء ، ومكي : إنه في موضع نصب ب « جَزَيْناهُمْ » ، ولم يبينا على أي وجه « انتصب ، هل على المفعول الثاني ، أو المصدر ؟ . وقوله : « لَصادِقُونَ » معموله محذوف ، أي : لصادقون في إتمام جزائهم » أو : هو تعريض بكذبهم ، حيث قالوا : نحن مقتدون في تحريم هذه الأشياء بإسرائيل ، والمعنى لصادقون في إخبارنا عنهم ذلك ، أو لا يقدر له معمول ، أي : من شأننا الصدق . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 147 إلى 150 ] فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 147 ) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ ( 148 ) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 149 ) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( 150 )

--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية ( 50 ) . ( 2 ) آية ( 3 ) . ( 3 ) انظر ديوانه ( 2 / 301 ) ، المقرب ( 1 / 177 ) ، ابن يعيش ( 2 / 16 ) ، المغني ( 2 / 641 ) ، الأشموني ( 3 / 137 ) . ( 4 ) انظر البيت في المغني ( 2 / 642 ) ، المقرب ( 1 / 118 ) ، شرح شواهد المغني ( 2 / 932 ) .