أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

211

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والضمير في : كَذَّبُوكَ . الظاهر : عوده على اليهود ، لأنهم أقرب مذكور . وقيل : يعود على المشركين ، لتقدم الكلام معهم في قوله : نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ « 1 » ، و أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ « 2 » . وقوله : ذُو رَحْمَةٍ جيء بهذه الجملة اسمية ، وبقوله : وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ فعلية ، تنبيها على مبالغة سعة الرحمة ، لأن الاسمية أدلّ على الثبوت والتوكيد من الفعلية . وقوله : عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ يحتمل أن يكون من وضع الظاهر موضع المضمر ، تنبيها على التسجيل عليهم بذلك ، والأصل : ولا يردّ بأسه عنكم . وقال أبو البقاء : فَإِنْ كَذَّبُوكَ شرط ، جوابه : فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ، والتقدير : فقل يصل عنكم بتأخير العقوبة . وهذا تفسير معنى ، ولا إعراب . قوله : وَلا آباؤُنا . عطف على الضمير المرفوع المتصل ، ولم يأت هنا بتأكيد بضمير رفع منفصل ، ولا فاصل بين المتعاطفين ، اكتفاء بوجود « لا » الزائدة للتأكيد فاصلة بين حرف العطف والمعطوف ، وهذا هو على قواعد البصريين ، وأما الكوفيون فلا يشترطون شيئا من ذلك ، وقد تقدم إتقان هذه المسألة « 3 » . وفي هذه الآية لم يؤكد الضمير ، وفي آية النحل أكد ، فقال تعالى : ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا « 4 » ، وهناك أيضا قال : مِنْ دُونِهِ مرتين ، وهنا قالها مرة واحدة ، فقال الشيخ « 5 » : « لأن لفظ العبادة يصح أن ينسب إلى إفراد اللّه بها ، وهذا ليس بمستنكر ، بل المستنكر عبادة غير اللّه ، أو شيء مع اللّه ، فناسب هنا ذكر « مِنْ دُونِهِ » مع العبادة . وأمّا لفظ : « ما أَشْرَكْنا » فالإشراك يدل على إثبات شريك ، فلا يتركب مع هذا الفعل لفظ : « مِنْ دُونِهِ » ، لو كان التركيب في غير القرآن : ما أشركنا من دونه ، لم يصح المعنى . وأما « مِنْ دُونِهِ » الثانية فالإشراك يدل على تحريم أشياء ، وتحليل أشياء ، فلم يحتج إلى لفظ « مِنْ دُونِهِ » . وأما لفظ العبادة فلا يدل على تحريم شيء ، كما يدل عليه لفظ « أشرك » ، فقيد بقوله : « من دون » ، ولما حذف « مِنْ دُونِهِ » هنا ناسب أن يحذف « نَحْنُ » ليطرد التركيب في التخفيف » . قلت : وفي هذا الكلام نظر لا يخفى . وقوله : مِنْ شَيْءٍ « مِنْ » زائدة في المفعول ، أي : ما حرّمنا شيئا . و « مِنْ دُونِهِ » متعلّق ب « حَرَّمْنا » « 6 » ، أي : ما حرّمنا من غير إذنه لنا في ذلك . و « كَذلِكَ » نعت لمصدر محذوف ، أي : مثل : التكذيب المشار إليه في قوله : « فَإِنْ كَذَّبُوكَ » . وقرىء « كذب » بالتخفيف . وقوله : « حَتَّى ذاقُوا غاية لامتداد التكذيب أو الكذب . وقوله : « مِنْ عِلْمٍ » يحتمل أن يكون مبتدأ ، . و « عِنْدَكُمْ » خبر مقدم ، وأن يكون فاعلا بالظرف ، لاعتماده على الاستفهام ، و « مِنْ » زائدة على كلا التقديرين . وقرأ النخعيّ وابن وثاب : « إن يتّبعون » بياء الغيبة . قال ابن عطية : « وهذه قراءة شاذة يضعفها قوله : « وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ » . « يعني أنه أتى بعدها بالخطاب ، فتعدت الغيبة ، وقد يجاب عنه بأن ذلك من باب الالتفات » .

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 143 ) . ( 2 ) سورة الأنعام ، آية ( 144 ) . ( 3 ) عن آية ( 35 ) من سورة البقرة . ( 4 ) آية ( 35 ) . ( 5 ) انظر البحر ( 4 / 246 ) . ( 6 ) في آية النحل ( 35 ) .