أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

207

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : « وَمِنَ الْبَقَرِ » فيه وجهان : أحدهما : أنه معطوف على « كُلَّ ذِي » فيتعلق « مِنَ » ب « حَرَّمْنا » الأولى ، لا الثانية ، وإنما جيء بالجملة الثانية مفسرة لما أبهم في « مِنَ » التبعيضية من المحرّم ، فقال : « حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما » . والثاني : أن يتعلق ب « حَرَّمْنا » المتأخرة ، والتقدير : وحرّمنا على الذين هادوا من البقر والغنم شحومهما ، فلا يجب هنا تقديم المجرور بها على الفعل ، بل يجوز تأخيره كما تقدم ، ولكن لا يجوز تأخيره عن المنصوب بالفعل ، فيقال : حرّمنا عليهم شحومهما من البقر والغنم ، لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة . وقال أبو البقاء : « لا يجوز أن يكون « مِنَ الْبَقَرِ » متعلّقا ب « حَرَّمْنا » الثانية . « قال الشيخ « 1 » : « وكأنه توهم أن عود الضمير مانع من التعلق ، إذ رتبة المجرور ب « مِنَ » التأخير ، لكن عن ما ذا ؟ أما عن الفعل فمسلم ، وأما عن المفعول فغير مسلم » . يعني أنه إن أراد أن رتبة قوله : « مِنَ الْبَقَرِ » التأخير عن « شُحُومَهُما » فيصير التقدير : حرّمنا عليهم شحومهما من البقر فغير مسلم . ثم قال الشيخ : « وإن سلمنا إن رتبته التأخير عن الفعل والمفعول فليس بممنوع ، بل يجوز ذلك ، كما جاز : « ضرب غلام المرأة أبوها » و « غلام المرأة ضرب أبوها » . وإن كانت رتبة المفعول التأخير ، لكنه وجب هنا تقديمه لعود الضمير الذي في الفاعل الذي رتبت التقدم عليه ، فكيف بالمفعول الذي هو المجرور في رتبة واحدة ؟ أعني في كونهما فضلة ، فلا يبالي فيهما بتقديم أيهما شئت على الآخر ، قال الشاعر : 2126 - وقد ركدت وسط السّماء نجومها * . . . « 2 » فقدّم الظرف وجوبا ، لعود الضمير الذي اتصل بالفاعل على المجرور بالظرف » . قلت : لقائل أن يقول : لا نسلّم أنّ أبا البقاء إنما منع ذلك لما ذكرت ، حتى يلزم بما ألزمته ، بل قد يكون منعه لأمر معنوي ، والإضافة في قوله : « شُحُومَهُما » تفيد الدلالة على تأكيد التخصيص والربط ، إذ لو أتى في الكلام : من البقر والغنم حرمنا عليهم الشّحوم ، لكان كافيا في الدلالة على أنه لا يراد إلا شحوم البقر والغنم . هذا كلام الشيخ « 3 » ، وهو بسط ما قاله الزمخشري ، فإنه قال : « وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما » كقولك : « من زيد أخذت ماله » تريد بالإضافة زيادة الربط » . قوله : إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما « ما » موصولة في محل نصب على الاستثناء المتصل من « الشّحوم » ، أي : أنه لم يحرم الشحم المحمول على الظهر ، ثمّ إن شئت جعلت هذا الموصول نعتا لمحذوف ، أي : إلا الشحم الذي حملته ظهورهما ، كذا قدّره الشيخ ، وفيه نظر ، لأنه قد نص على أنه لا يوصف ب « ما » الموصولة ، وإن كان يوصف ب « الذي » ، وقد ردّ هو على غيره بذلك في مثل هذا التقدير . وإن شئت جعلته موصوفا بشيء محذوف ، أي : إلا الذي حملته ظهورهما من الشحم ، وهذا الجار هو وصف معنوي ، لا صناعي ، فإنه لو أظهر كذا لكان إعرابه حالا ، وقوله : « ظُهُورُهُما » يحتمل أن يكون من باب : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما « 4 » بالنسبة إلى ضمير البقر والغنم من غير نظر إلى جمعيتهما في المعنى ، ويحتمل أن يكون جمع « الظهور » ، لأن المضاف إليه جمع

--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 244 ) . ( 2 ) صدر بيت لامرىء القيس وعجزه : . . . * ركود فوآدي الرّمرب المتورق انظر ديوانه ( 171 ) . ( 3 ) انظر البحر ( 4 / 244 ) . ( 4 ) سورة التحريم ، آية ( 4 ) .