أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
208
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
في المعنى ، فهو مثل : « قطعت رؤوس الخرفان » فالتثنية في مثل هذا ممتنعة . قوله : « أَوِ الْحَوايا » في موضعها من الإعراب ثلاثة أوجه ، أحدها - وهو قول الكسائي - : أنها في موضع رفع عطفا على « ظُهُورُهُما » ، أي : وإلا الذي حملته الحوايا من الشّحم فإنّه أيضا غير محرّم ، وهذا هو الظاهر . الثاني : أنها في محل نصب نسقا على « شُحُومَهُما » ، أي : حرّمنا عليهم الحوايا أيضا أو ما اختلط بعظم ، فيكون الحوايا والمختلط محرّمين ، وسيأتي تفسيرهما ، وإلى هذا ذهب جماعة قليلة ، وتكون « أَوِ » فيه كالتي في قوله تعالى : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً « 1 » يراد بها نفي ما تدخل عليه بطريق الانفراد ، كما تقول : « هؤلاء أهل أن يعصوا ، فاعص هذا أو هذا » ، فالمعنى : حرّم عليهم هذا وهذا . وقال الزمخشري : « و » « أو » بمنزلتها في قولهم : « جالس الحسن أو ابن سيرين » . قال الشيخ « 2 » : « وقال النحويون » : « أو » في هذا المثال للإباحة ، فيجوز له أن يجالسهما ، وأن يجالس أحدهما . والأحسن في الآية : إذا قلنا : إنّ « الْحَوايا » معطوف على « شُحُومَهُما » أن تكون « أَوِ » فيه للتفصيل ، فصل بها ما حرم عليهم من البقر « وَالْغَنَمِ » . قلت : هذه العبارة التي ذكرها الزمخشريّ ، سبقه إليها أبو إسحق ، فإنّه قال : « وقال قوم : حرّمت عليهم الثّروب ، وأحل لهم ما حملت الظهور ، وصارت « الْحَوايا » أو ما اختلط بعظم » نسقا على ما حرم ، لا على الاستثناء ، والمعنى على هذا القول : حرمت عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ، إلا ما حملت الظهور فإنّه غير محرّم ، وأدخلت « أَوِ » على سبيل الإباحة . كما قال تعالى : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً « 3 » . والمعنى : كل هؤلاء أهل أن يعصى . فاعص هذا ، أو اعص هذا ، و « أَوِ » بليغة في هذا المعنى ، لأنك إذا قلت : لا تطع زيدا وعمرا ، فجائز أن تكون نهيتني عن طاعتهما معا في حالة ، فإذا أطعت زيدا على حدته لم أكن عاصيا ، وإذا قلت : لا تطع زيدا أو عمرا أو خالدا ، فالمعنى أن كلّ هؤلاء أهل ألا يطاع ، فلا تطع واحدا منهم ، ولا تطع الجماعة ، ومثله : جالس الحسن أو ابن سيرين أو الشّعبي ، فليس المعنى أني آمرك بمجالسة واحد منهم ، فإن جالست واحدا منهم فأنت مصيب ، وإن جالست الجماعة فأنت مصيب » . وأما قوله : « فالأحسن أن تكون « أَوِ » فيه للتفصيل ، فقد سبقه إلى ذلك أبو البقاء ، فإنه قال : و « أَوِ » هنا بمعنى الواو ، لتفصيل مذاهبهم ، أو لاختلاف أماكنها ، وقد ذكرناه في قوله : كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى « 4 » وقال ابن عطية - رادا على هذا القول ، أعني كون « الْحَوايا » نسقا على « شُحُومَهُما » - : « وعلى هذا تدخل « الْحَوايا » في التحريم ، وهذا قول لا يعضده لا اللفظ ولا المعنى ، بل يدفعانه » . ولم يبيّن وجه الدفع فيهما . الثالث : أن « الْحَوايا » في محل نصب عطفا على المستثنى ، وهو : « ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما » ، كأنه قيل : إلّا ما حملت الظّهور ، أو إلّا الحوايا ، أو إلّا ما اختلط ، نقله مكي ، وأبو البقاء بدأ به ، ثم قال : وقيل ، هو معطوف على الشّحوم » . ونقل الواحدي عن الفراء أنه قال : « يجوز أن تكون في موضع نصب ، بتقدير حذف المضاف ، على أن تريد : « أو شحوم الحوايا ، فتحذف الشحوم ، وتكتفي بالحوايا ، كما قال تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ « 5 » ، يريد أهلها . وحكى ابن الأنباري عن أبي عبيد أنه قال : قلت : للفراء ، هو بمنزلة قول الشاعر : 2127 - لا يسمع المرء فيها ما يؤنّسه * باللّيل إلّا نئيم اليوم والضّوعا « 6 »
--> ( 1 ) سورة الإنسان ، آية ( 24 ) . ( 2 ) انظر البحر 4 / 245 . ( 3 ) سورة الإنسان ، آية ( 24 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 135 ) . ( 5 ) سورة يوسف ، آية ( 82 ) . ( 6 ) البيت للأعشى قيس انظر ديوانه ( 153 ) ، التهذيب