أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

200

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

مختلفا أكل ثمر الجنّات وما بعدها ، وهذا يلزم منه إضافة الشيء إلى نفسه ، لأن « الأكل » - كما تقدم غير مرّة - أنه الثمر المأكول . قال الزمخشري - في « الأكل » - : « وهو ثمره الذي يؤكل » . وقال ابن الأنباري : إنّ « مُخْتَلِفاً » نصب على القطع ، فكأنه قال : والنخل والزرع المختلف أكلهما » . وهذا رأي الكوفيين ، وقد تقدم إيضاحه غير مرة « 1 » . وقوله : وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ إلى قوله : إِذا أَثْمَرَ قد تقدم إيضاحه « 2 » . قوله : حَصادِهِ قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم بفتح الحاء ، والباقون بكسرها . وهما لغتان في المصدر ، كقولهم : جداد وجداد ، وقطاف وقطاف وجزار وجزاز . قال سيبويه « 3 » : « جاءوا بالمصدر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثال « فعال » ، وربّما قالوا فيه : فعال » - يعني أن هذا مصدر خاص دال على معنى زائد على مطلق المصدر ، فإنّ المصدر الأصلي إنما هو الحصد ، فالحصد ليس فيه دلالة على انتهاء زمان ولا عدمها ، بخلاف : « الحصاد والحصاد » . ونسب الفراء الكسر لأهل الحجاز ، والفتح لتميم ونجد . « واختار أبو عبيد الفتح ، قال : للفخامة ، وإن كانت الأخرى فاشية غير مرفوعة . ومكي : الكسر ، قال : لأنه الأصل ، وعليه أكثر الجماعة » . وقوله : يَوْمَ حَصادِهِ فيه وجهان : أحدهما : أنه منصوب ب « آتُوا » ، أي : أعطوا واجبه يوم الحصاد . واستشكل بعض الناس ذلك بأن الإيتاء إنّما يكون بعد التصفية ، فكيف يوجب الإيتاء في يوم الحصد ؟ وأجيب بأن ثمّ محذوفا ، والتقدير : إلى تصفيته ، قالوا : فيكون الحصاد سببا للوجوب الموسع ، والتصفية سبب للأداء . وأحسن من هذا أن يكون المعنى : واهتموا بإيتاء الزكاة الواجبة فيه ، واقصدوه في ذلك اليوم . والثاني : أنه منصوب بلفظ « حَقَّهُ » ، على معنى : وأعطوا ما استحق منه يوم حصاده ، فيكون الاستحقاق بإيتاء يوم الحصاد ، والأداء بعد التصفية ، ويؤيد ذلك تقدير المحذوف عند بعضهم كما قدمته . وقال في نظير هذه الآية : انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ « 4 » ، وفي هذه : « كُلُوا » ، قيل : لأن الأولى سيقت للدلالة على كمال قدرته ، وعلى إعادة الأجسام من عجب الذّنب ، فأمر بالنظر والتفكر في البداية والنهاية ، وهذه سيقت في معرض كمال الامتنان ، فناسبت الأمر بالأكل . وتحصل من مجموع الآيتين الانتفاع الأخروي والدنيوي ، وهذ هو السبب لتقدم النظر على الأمر بالأكل . قوله : حَمُولَةً وَفَرْشاً . منصوبان على أنهما نسق على « جَنَّاتٍ » ، أي : وأنشأ من الأنعام حمولة . والحمولة : ما أطاق الحمل عليه من الإبل . والفرش : صغارها ، هذا هو المشهور في اللغة . وقيل : الحمولة : كبار الأنعام ، أعني : الإبل والبقر والغنم ، والفرش : صغارها ، قال : ويدل له أنه أبدل منه قوله - بعد ذلك - : « ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ » ، كما سيأتي . وقال الزجاج : « أجمع أهل اللغة على أن الفرش : صغار الإبل . وأنشد : 2111 - أورثني حمولة وفرشا * أمشّها في كلّ يوم مشّا « 5 » وقال الآخر :

--> ( 1 ) انظر آية ( 26 ) من سورة البقرة . ( 2 ) سورة الأنعام ، آية ( 99 ) . ( 3 ) انظر الكتاب ( 4 / 12 ) . ( 4 ) سورة الأنعام ، آية ( 99 ) . ( 5 ) انظر البيت في البحر ( 4 / 234 ) ، تفسير القرطبي ( 7 / 112 ) .