أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

20

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

منعه أبو البقاء ، ولم يبين وجهه . والذي يظهر أن المانع تقدمه على المستثنى منه في المعنى ، وهو « وَلِيًّا » ، وأما المعنى فلا يأبى الاستثناء ، لأن الاستفهام لا يراد به حقيقته ، بل يراد به الإنكار ، فكأنه قيل : لا أتخذ وليا غير اللّه ، ولو قيل كذا لكان صحيحا : فظهر أن المانع عنده إنما هو التقديم على المستثنى منه ، لكن ذلك جائز ، وإن كان قليلا ، ومنه : 1883 - وما لي إلّا آل أحمد شيعة * وما لي إلّا مشعب الحقّ مشعب « 1 » وقرأ الجمهور : « فاطِرِ » بالجر ، وفيها تخريجان : أحدهما : وبه قال الزمخشري والجوفي ، وابن عطية - : صفة للجلالة المجرورة ب « غَيْرَ » ، ولا يضر الفصل بين الصفة والموصوف بهذه الجملة الفعلية ، ومفعولها ، لأنها ليست بأجنبية . إذ هي عاملة في عامل الموصوف . والثاني : وإليه نحا أبو البقاء - : أنه بدل من اسم اللّه ، وكأنه فر من الفصل بين الصفة وموصوفها . فإن قيل : هذا لازم له في البدل ، فإنّه فصل بين التابع ومتبوعة أيضا . فيقال : إنّ الفصل بين البدل والمبدل [ منه ] أسهل ، لأن البدل على نية تكرار العامل ، فهو أقرب إلى الفصل . وقد يرجح تخريجه بوجه آخر ، وهو أن « فاطِرِ » اسم فاعل ، والمعنى ليس على المضي ، حتى تكون إضافته غير محضة ، فيلزم وصف المعرفة بالنكرة ، لأنه في نية الانفصال من الإضافة ، لا يقال : اللّه فاطر السماوات والأرض فيما مضى ، فلا يراد حال ولا استقبال ، لأن كلام اللّه تعالى قديم متقدم على خلق السماوات والأرض ، فيكون المراد به الاستقبال قطعا ، ويدل على جواز كونه في نية التنوين ما سأذكره عن أبي البقاء [ قريبا ] . وقرأ ابن أبي عبلة برفعه ، وتخريجه سهل ، وهو : أنه خبر مبتدأ محذوف ، وخرجه ابن عطية على أنه مبتدأ ، فيحتاج إلى تقديم خبره الدلالة عليه خفية ، بخلاف تقدير المبتدأ ، فإنّه ضمير الأول ، أي : هو فاطر . وقرىء شاذا بنصبه ، وخرجه أبو البقاء على وجهين : أحدهما : أنه بدل من « وَلِيًّا » ، قال : والمعنى على هذا : أأجعل فاطر السّموات والأرض غير اللّه » ، كذا قدره ، وفيه نظر ، فإنه جعل المفعول ، وهو « غَيْرَ اللَّهِ » مفعولا ثانيا ، وجعل البدل من المفعول الثاني مفعولا أول ، فالتقدير عكس التركيب الأصلي . والثاني : أنه صفة ل « وَلِيًّا » ، قال : « ويجوز أن يكون صفة ل « وَلِيًّا » ، والتنوين مراد ، قلت : - يعني - بقوله : التنوين مراد ، أن اسم الفاعل عامل تقديرا ، فهو في نية الانفصال ، ولذلك وقع وصفا للنكرة كقوله تعالى : عارِضٌ مُمْطِرُنا « 2 » وهذا الوجه لا يكاد يصح ، إذ يصير المعنى : أأتخذ غير اللّه وليا فاطر السماوات » . . . الخ ، فيصف ذلك الولي بأنه فاطر السماوات ، وقرأ الزهري : « فطر » على أنه فعل ماض ، وهي جملة في محل نصب على الحال من الجلالة ، كما كان « فاطِرِ » صفتها في قراءة الجمهور . ويجوز على رأي أبي البقاء أن يكون صفة

--> ( 1 ) البيت للكميت من قصيدته يمدح فيها بني هاشم انظر الكامل ( 2 / 90 ) ، الإنصاف ( 1 / 275 ) ، المقتضب ( 4 / 398 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 2 / 79 ) ، تعليق الفرائد ( 1 / 57 ) ، الأشموني ( 2 / 249 ) ، التصريح ( 1 / 355 ) ، الخزانة ( 4 / 314 ) ، اللسان والتهذيب « شعب » والشاهد فيه : نصب المستثنى المتقدم وهو « آل » ، و « مشعب » . ( 2 ) سورة الأحقاف ، آية ( 24 ) .