أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
21
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ل « وَلِيًّا » ، ولا يجوز أن يكون صفة للجلالة ، لأن الجملة نكرة . والفطر : الشق مطلقا ، وقيده الراغب بالشق طولا ، وقيده الواحدي بشق الشيء عند ابتدائه . والفطر : الإبداع والإيجاد على غير مثال ، ومنه : فاطِرِ السَّماواتِ « 1 » ، أي : أوجدها على غير مثال يحتذى . وعن ابن عباس : ما كنت أدري ما معنى فطر ، وفاطر حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ، أي : أنشأتها وابتدأتها . ويقال : فطرت كذا فطراء وفطر هو فطورا ، وانفطر انفطارا ، وفطرت الشاة : حلبتها بأصبعين ، وفطرت العجين : خبزته من وقته . وقوله تعالى : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها « 2 » . إشارة منه إلى ما فطر ، أي : أبدع ، وركز في الناس من معرفته ، ففطرة اللّه ما ركز من القوة المدركة لمعرفته ، وهو المشار إليه بقوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ « 3 » . وعليه : « كلّ مولود يولد على الفطرة » « 4 » الحديث ، وهذا أحسن ما سمعت في تفسير : « فِطْرَتَ اللَّهِ » في الكتاب والسنّة . قوله : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ . القراءة المشهورة ببناء الأول للفاعل ، والثاني للمفعول ، والضمير للّه تعالى ، والمعنى : وهو يرزق ولا يرزق ، وهو موافق لقوله تعالى : ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ « 5 » . وقرأ سعيد بن جبير ، ومجاهد بن جبر ، والأعمش ، وأبو حيوة ، وعمرو بن عبيد ، وأبو عمرو بن العلاء في رواية عنه : « وَلا يُطْعَمُ » بفتح الياء والعين بمعنى : ولا يأكل ، والضمير للّه تعالى أيضا . وقرأ ابن أبي عبلة ، ويمان العماني : « وَلا يُطْعَمُ » بضم الياء وكسر العين ، كالأول ، فالضميران أعني : هو ، والمستكن في يطعم عائدان على اللّه تعالى ، والضمير في « وَلا يُطْعَمُ » للولي . وقرأ يعقوب في رواية أبي المأمون : « يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ » ببناء الأول للمفعول ، والثاني للفاعل ، عكس القراءة المشهورة ، والضمائر الثلاثة ، أعني : هو والمستترين في الفعلين للولي فقط ، أي : وذلك الولي يطعمه غيره ، ولا يطعم هو أحدا لعجزه . وقرأ الأشهب : « وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ » ببنائهما للفاعل . وذكر الزمخشري فيها تخرجين ثانيهما لنفسه ، فإنه قال : - بعد أن حكى القراءة ، وفسر بأن معناه : وهو يطعم ولا يستطعم ، وحكى الأزهري : أطعمت بمعنى استطعمت ، ونحوه أفدت - ويجوز أن يكون المعنى : وهو يطعم تارة ، ولا يطعم أخرى ، على حسب المصالح كقولك : وهو يعطي ويمنع ويقدر ويبسط ويغني ويفقر . « قلت : هكذا ذكر الشيخ « 6 » هذه القراءات . وقراءة الأشهب هي كقراءة ابن أبي عبلة والعماني سواء ، لا تخالف بينهما ، فكان ينبغي أن تذكر هذه القراءة لهؤلاء كلهم ، وإلا يوهم هذا أنهما قراءتان متغايرتان ، وليس كذلك . وقرىء شاذا : « يطعم » بفتح الياء والعين ، ولا يطعم بضم الياء وكسر العين ، أي : وهو يأكل ، ولا يطعم غيره . ذكر هذه القراءة أبو البقاء ، وقال : « والضمير راجع على الولي الذي هو غير اللّه » . فهذه ست قراءات ، وفي بعضها وهو تخالف الفعلين من صناعة البديع تجنيس ، يسمى تجنيس التشكيل ، وهو أن يكون الشكل فارقا بين الكلمتين ، وسماه أسامة بن منقد تجنيس التحريف ، وهذه تمسية فظيعة ، وتسميته بتجنيس التشكيل أولى . قوله : مَنْ أَسْلَمَ « مَنْ » : يجوز أن تكون نكرة موصوفة واقعة موقع اسم جمع ، أي : أول فريق أسلم ، وأن تكون موصولة ، أي : أول الفريق الذي أسلم ، وأفرد الضمير في « أَسْلَمَ » إمّا باعتبار لفظ فريق المقدر ، وإمّا باعتبار لفظ « مَنْ » . وقد تقدم الكلام على « أَوَّلَ » ، وكيف يضاف إلى مفرد ، بالتأويل المذكور في
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 14 ) . ( 2 ) سورة الروم ، آية ( 30 ) . ( 3 ) سورة الزخرف ، آية ( 87 ) . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 3 / 491 ) ، كتاب الجنائز ، باب ما قيل في أولاد المشركين . ( 5 ) سورة الذاريات ، آية ( 57 ) . ( 6 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 85 - 86 ) .