أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
199
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
مبالغة وتكثيرا ، والباقون بالتخفيف . و « سَفَهاً » نصب على الحال ، أي ذوي سفه ، أو على المفعول من أجله ، وفيه بعد ، لأنه ليس علة باعثة . أو على أنه مصدر لفعل مقدر ، أي : سفهوا سفها ، أو على أنه مصدر على غير الصدر ، لأن هذا القتل سفه . وقرأ اليماني : « سفهاء » على الجمع ، وهي حال ، وهذه تقوى كون قراءة العامة مصدرا في موضع الحال ، حيث صرح بها . و بِغَيْرِ عِلْمٍ إمّا حال أيضا ، أو صفة ل « سَفَهاً » ، وليس بذاك . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 141 إلى 142 ] وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ( 141 ) وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 142 ) قوله : مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ . منصوب على الحال ، وفيها قولان : أحدهما : أنها حال مقدرة ، لأن « النَّخْلَ وَالزَّرْعَ » وقت خروجهما لا أكل فيهما ، حتى يقال فيه : متفق أو مختلف ، فهو كقوله : فَادْخُلُوها خالِدِينَ « 1 » ، وكقولهم : « مررت برجل معه صقر صائدا به غدا » ، أي : مقدّرا الاصطياد به . والثاني : أنه حال مقارنة ، وذلك على حذف مضاف ، أي : وثمر النخل وحب الزرع . و « أُكُلُهُ » مرفوع ب « مُخْتَلِفاً » ، لأنه اسم فاعل ، وشروط الإعمال موجودة . و « الأكل » الشيء المأكول ، وقد تقدم أنه يقرأ بضم الكاف وسكونها ، ومضي تحقيقه في البقرة « 2 » . والضمير في « أُكُلُهُ » الظاهر أنه يعود على « الزَّرْعَ » فقط ، إمّا لأنه حذف حالا من « النَّخْلَ » لدلالة هذه عليها ، تقديره : والنخل مختلفا أكله . والزرع مختلفا أكله . وإمّا لأن الزرع هو الظاهر فيه الاختلاف بالنسبة إلى المأكول منه ، كالقمح والشعير والفول والحمص والعدس وغير ذلك . وقيل : إنها تعود عليهما . قال الزمخشري : والضمير للنخل ، والزرع داخل في حكمه ، لكونه معطوفا عليه . « قال الشيخ « 3 » : « وليس بجيّد ، لأن العطف بالواو لا يجوز إفراد ضمير المتعاطفين » . وقال الحوفيّ : « والهاء في « أُكُلُهُ » عائدة على ما تقدم من هذه الأشياء المنشآت » . وعلى هذا الذي ذكره الحوفيّ لا يختص الحال بالنخل والزرع ، بل يكون لما تقدم جميعه . قال الشيخ « 4 » : « ولو كان كما زعم لكان التركيب « أكلها » ، إلّا إن أخذ ذلك على حذف مضاف ، أي : ثمر جنات ، وروعي هذا المحذوف ، فقيل : « أُكُلُهُ » بالإفراد ، على مراعاته ، فيكون ذلك كقوله : أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ « 5 » أي : أو كذي ظلمات ، ولذلك أعاد الضمير في « يغشاه » عليه . قلت : فيبقى التقدير :
--> ( 1 ) سورة الزمر ، آية ( 73 ) . ( 2 ) انظر آية ( 265 ) من سورة البقرة . ( 3 ) انظر البحر ( 4 / 236 ) . ( 4 ) المرجع السابق . ( 5 ) سورة النور ، آية ( 40 ) .