أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
198
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
كلام العرب البداءة بالحمل على المعنى ، ثم على اللفظ ، وإن كان عكسه هو الكثير ، وأما ما جعله نظير هذه الآية في الحمل على المعنى أولا ، ثم على اللفظ ثانيا فليس بمسلم أيضا وكذلك لا نسلم أن هذه الآية مما حمل فيها على المعنى أولا ، ثم على اللفظ ثانيا وبيان ذلك أن لقائل أن يقول : صلة « ما » جار ومجرور وهو متعلق بمحذوف فتقدره مسندا لضمير مذكر ، أي : ما استقر في بطون هذه الأنعام ، ويبعد تقديره ب « استقرت » . إذا عرف هذا فيكون قد حمل أولا على اللفظ في الصلة المقدرة ، ثم على المعنى ثانيا . وأما « كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ » فبدأ فيه أيضا بالحمل على اللفظ في قوله : « كانَ » ، فإنه ذكّر ضميره المستتر في « كانَ » ، ثم حمل على المعنى في قوله : « سَيِّئُهُ » فأنّث ، وكذلك « لِتَسْتَوُوا » فإنّ قبله : « ما تَرْكَبُونَ » ، والتقدير : ما تركبونه ، فحمل العائد المحذوف على اللفظ أولا ، ثم على المعنى ثانيا . وكذلك في قولهم : « هذا الجراد قد ذهب . . . » حمل على اللفظ فأفرد الضمير في « ذهب » ، ثم حمل على المعنى ثانيا في قوله : « أنفسه » . وفي هذه المواضع يكون قد حمل فيها أولا على اللفظ ، ثم على المعنى ، ثم على اللفظ ، وكنت قد قدّمت أن في القرآن من ذلك أيضا ثلاثة مواضع آية المائدة « 1 » : وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ، ولقمان « 2 » : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ، والطلاق « 3 » : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ . * قوله : وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً قرأ ابن كثير « يَكُنْ » بياء الغيبة ، « ميتة » رفعا . وابن عامر « تكن » بتاء التأنيث ، « ميتة » رفعا . عاصم في رواية أبي بكر « تكن » بتاء التأنيث ، « مَيْتَةً » نصبا ، والباقون « يَكُنْ » كابن كثير ، « مَيْتَةً » كأبي بكر . والتذكير والتأنيث واضحان ، لأن « الميتة » تأنيث مجازي ، لأنها تقع على الذكر والأنثى من الحيوان ، فمن أنّث فباعتبار اللفظ ، ومن ذكّر فباعتبار المعنى ، هذا عند من يرفع « مَيْتَةً » ب « تكن » ، أما من ينصبها فإنه يسند الفعل حينئذ ضمير ، فيذكّر باعتبار لفظ « ما » في قوله : « ما فِي بُطُونِ » ، ويؤنّث باعتبار معناها . ومن نصب « مَيْتَةً » فعلى خبر « كان » الناقصة ، ومن رفع يحتمل وجهين ، أحدهما : أن تكون التامة ، وهذا هو الظاهر ، أي : وإن وجد ميتة ، أو حدثت . وأن تكون الناقصة وحينئذ يكون خبرها محذوفا ، أي : وإن تكن هناك - أو في البطون ميتة ، وهو رأي الأخفش ، فيكون تقدير قراءة ابن كثير : وإن يحدث حيوان ميتة ، أو : وإن يكن في البطون ميتة ، على حسب التقديرين تماما ونقصانا . وتقدير قراءة ابن عامر كتقدير قراءته ، إلّا أنه أنث الفعل باعتبار لفظ مرفوعه . وتقدير قراءة أبي بكر : وإن تكن الأنعام أو الأجنّة ميتة ، فأنث حملا على المعنى . وقراءة الباقين كتقدير قراءته ، إلّا أنهم ذكّروا باعتبار اللفظ . قال أبو عمرو بن العلاء : ويقوي هذه القراءة - يعني قراءة التذكير والنصب - قوله : « فَهُمْ فِيهِ » ، ولم يقل : « فيها » . وردّ هذا على أبي عمرو بأن الميتة لكل ميت ذكرا كان أو أنثى ، فكأنه قيل : وإن يكن ميتا فهم فيه » - يعني فلم يصر له في تذكير الضمير في « فِيهِ » حجة . ونقل الزمخشري قراءة ابن عامر عن أهل مكة ، فقال : « قرأ أهل مكة » : « وإن تكن ميتة » بالتأنيث والرفع » - فإن عنى بأهل مكة ابن كثير - ولا أظنه عناه - فليس كذلك ، وإن عني غيره فيجوز على أنه يجوز أن يكون ابن كثير قرأ بالتأنيث أيضا ، لكن لم يشتهر عنه اشتهار التذكير . وقرأ يزيد « ميّتة » بالتشديد . وقرأ عبد اللّه : « فهم فيه سواء » ، وأظنها تفسيرا لا قراءة لمخالفتها السواد . قوله : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا . هذا جواب قسم محذوف . وقرأ ابن كثير وابن عامر ، ويه قراءة الحسن وأبي عبد الرحمن « قتّلوا » بالتشديد ،
--> ( 1 ) آية ( 60 ) . ( 2 ) آية ( 6 ) . ( 3 ) آية ( 11 ) .