أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

197

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

كنظائره ، وقال الشاعر : 2110 - كنت أميني وكنت خالصتي * وليس كلّ امرئ بمؤتمن « 1 » وهذا مستفيض في لسانهم : « فلان خالصتي » ، أي : ذو خلوصي . و « لِذُكُورِنا » متعلّق به ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه وصف ل « خالِصَةٌ » ، وليس بالقوي . وقرأ عبد اللّه وابن جبير وأبو العالية والضحّاك وابن أبي عبلة « خالص » مرفوعا على ما تقدم من غيرهاء ، و « لِذُكُورِنا » متعلّق به ، أو بمحذوف كما تقدم . وقرأ ابن جبير أيضا فيما نقله عنه ابن جني « خالصا » نصبا من غير تاء . ونصبه على الحال ، وفي صاحبه وجهان : أظهرهما : أنه الضمير المستتر في الصلة . الثاني : أنه الضمير المستتر في « لِذُكُورِنا » فإنّ « لِذُكُورِنا » على هذه القراءة خبر المبتدأ ، وهذا إنّما يجوز على مذهب أبي الحسن ، لأنه يجيز تقديم الحال على عاملها المعنوي ، نحو : زيد مستقرا في الدار ، والجمهور يمنعونه ، وقد تقدم تحقيق هذه المسألة بتفصيلها ودلائلها « 2 » . وقرأ ابن عباس أيضا والأعرج وقتادة « خالصة » نصبا بالتأنيث ، والكلام في نصبه وتأنيثه كما تقدم في نظيره ، وخرجه الزمخشري على أنه مصدر مؤكد كالعافية » . وقرأ ابن عباس أيضا وأبو رزين وعكرمة وأبو حيوة « خالِصَةٌ » برفع « خالص » مضافا إلى ضمير « ما » ، ورفعه على أحد وجهين ، إمّا على البدل من الموصول بدل بعض من كل ، و « لِذُكُورِنا » خبر الموصول ، وإمّا على أنه مبتدأ ، و « لِذُكُورِنا » خبره ، والجملة خبر الموصول . وقد عرفت مما تقدم حيث قلنا : إنّ « خالِصَةٌ » مصدر ، أو هي للمبالغة ، فليس في الكلام حمل على معنى ، ثم على لفظ ، وإن قلنا إنّ التأنيث فيها لأجل تأنيث ما في البطون كان في الكلام الحمل على المعنى أولا ، ثم على اللفظ في قوله : « وَمُحَرَّمٌ » ثانيا ، وليس لذلك في القرآن نظير ، أعني الحمل على المعنى أولا ، ثم على اللفظ ثانيا ، إلّا أن مكيا زعم في غير إعراب القرآن له أن لهذه الآية نظائر فذكره ، وأما في إعرابه فلم يذكر أن غيرها في القرآن شاركها في ذلك ، فقال في إعرابه : « وإنّما أنث الخبر ، لأن ما في بطون الأنعام أنعام ، فحمل التأنيث على المعنى ، ثم قال : « وَمُحَرَّمٌ » ، فذكر حملا على لفظ « ما » ، وهذا نادر لا نظير له ، وإنّما يأتي في « من » ، وما « حمل » الكلام أولا على اللفظ ، ثم على المعنى بعد ذلك ، فاعرفه ، فإنّه قليل » . وقال في غير الإعراب : هذه الآية في قراءة الجماعة أتت على خلاف نظائرها في القرآن ، لأن كل ما يحمل على اللفظ مرة وعلى المعنى مرة ، إنما يبتدأ أولا بالحمل على اللفظ ، ثم يليه الحمل على المعنى ، نحو : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ثم قال : فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ « 3 » ، هكذا يأتي في القرآن وكلام العرب . وهذه الآية تقدم فيها الحمل على المعنى ، فقال : « خالِصَةٌ » ، ثم حمل على اللفظ ، فقال : « وَمُحَرَّمٌ » ، ومثله : كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ « 4 » في قراءة نافع ومن تابعه ، فأنث على معنى « كُلُّ » ، لأنها اسم لجميع ما تقدم مما نهى عنه من الخطايا ، ثم قال : عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ، فذكر على لفظ « كُلُّ » ، وكذلك : ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ « 5 » ، جمع الظهور حملا على معنى « ما » ، ووحّد الهاء حملا على لفظ « ما » وحكي عن العرب : « هذا الجراد قد ذهب فأراحنا من أنفسه » جمع الأنفس ، ووحّد الهاء وذكّرها » . قلت : أما قوله : هذا أتى في القرآن فصحيح ، وأما قوله : وكلام العرب ، فليس ذلك بمسلم ، إذ في

--> ( 1 ) انظر روح المعاني ( 8 / 35 ) . ( 2 ) انظر الآية ( 36 ) من سورة البقرة وآية ( 97 ) من سورة آل عمران . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 62 ) . ( 4 ) سورة الإسراء ، آية ( 38 ) . ( 5 ) سورة الزخرف ، الآيتان ( 12 - 13 ) .