أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
196
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ولكنه خفّف ونقل ، مثل : « فخذ » في « فخذ » . قلت : ولا حاجة إلى ادعاء ذلك ، بل هذا جاء بطريق الأصالة على وزن « فعل » . والثاني : أنه مقلوب من « حِجْرٌ » ، قدمت لام الكلمة على عينها ، ووزنه : « فلع » ، كقولهم : « ناء » في « نأى » ، و « معيق » في « عميق » ، والقلب قليل في لسانهم ، وقد قدمت منه جملة صالحة عند قوله تعالى : أَشْياءَ في المائدة . قوله : لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ هذه الجملة في محل رفع نعتا ل « أَنْعامٌ » ، وصفوه بوصفين ، أحدهما : أنه « حِجْرٌ » ، والثاني : أنه لا يأكله إلّا من نشاء ، وهم الرجال دون النساء ، أو سدنة الأصنام . « مَنْ نَشاءُ » فاعل ب « يَطْعَمُها » وهو استثناء مفرغ . و « بِزَعْمِهِمْ » حال كما تقدم في نظيره « 1 » . قوله : افْتِراءً فيه أربعة أوجه : أحدها - وهو مذهب سيبويه - : أنه مفعول من أجله « 2 » ، أي : قالوا ما تقدم لأجل الافتراء على الباري تعالى . الثاني : مصدر على غير الصدر ، لأن قولهم المحكي عنهم افتراء ، فهو نظير : « قعد القرفصاء » ، وهو قول الزجاج . الثالث : أنه مصدر عامله من لفظه مقدر ، أي : افتروا ذلك افتراء . الرابع : أنه مصدر في موضع الحال ، أي : قالوا ذلك حال افترائهم ، وهي تشبه الحال المؤكدة ، لأن هذا القول المخصوص لا يكون قائله إلّا مفتريا . وقوله : عَلَيْهِ يجوز تعلقه ب « افْتِراءً » على القول الأول والرابع ، وعلى الثاني والثالث ب « قالُوا » * ، لا ب « افْتِراءً » ، لأن المصدر المؤكد لا يعلم ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف صفة ل « افْتِراءً » ، وهذا جائز على كل قول من الأقوال السابقة . وقوله : « بِما كانُوا » الباء سببية ، و « ما » مصدرية أو موصوفة أو بمعنى « الذي » . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 139 إلى 140 ] وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 139 ) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 140 ) قوله : خالِصَةٌ . الجمهور على « خالِصَةٌ » بالتأنيث مرفوعا ، على أنه خبر « ما » الموصولة ، والتأنيث إمّا حملا على المعنى ، لأن الذي في بطون الأنعام أنعام ، ثم حمل على لفظها في قوله : « وَمُحَرَّمٌ » ، وإما لأن التأنيث للمبالغة ، كهو في : علّامة ونسّابة وراوية ، وإمّا لأن « خالِصَةٌ » مصدر على وزن فاعلة ، كالعافية والعاقبة ، وقال تعالى : بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ « 3 » ، وهذا القول قول الفراء « 4 » ، والأول له أيضا ، ولأبي إسحاق الزجاجي ، والثاني للكسائي . وإذا قيل : إنّها مصدر كان ذلك على حذف مضاف ، أي : ذو خلوص ، أو على المبالغة ، أو على وقوع المصدر موقع اسم الفاعل
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 136 ) . ( 2 ) انظر الكتاب ( 1 / 367 ) . ( 3 ) سورة ص ، آية ( 46 ) . ( 4 ) انظر آية ( 125 ) من سورة الأنعام .