أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
195
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
المرفوع للشركاء ، والمنصوب للتزيين ، وقيل : المنصوب للبس المفهوم من الفعل قبله ، وهو بعيد . وقال الزمخشري : « لما فعل المشركون ما زيّن لهم من القتل ، أو لما فعل الشياطين أو السدنة من التزيين أو الأداء ، أو اللبس ، أو جميع ذلك ، أن جعلت الضمير جاريا مجرى اسم الإشارة » . وقوله : فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ « 1 » تقدم نظيره . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 138 ] وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 138 ) قوله : أَنْعامٌ . قرأها الجمهور كذلك على صيغة الجمع ، وأبان بن عثمان « نعم » بالإفراد ، وهو قريب ، لأن اسم الجنس يقوم مقام الجمع . وقرأ الجمهور « حِجْرٌ » بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم . وقرأ الحسن وقتادة والأعرج بضم الحاء وسكون الجيم . ونقل عن الحسن وقتادة أيضا فتح الحاء وسكون الجيم ، ونقل عن أبان بن عثمان ضم الحاء والجيم « 2 » معا . وقال هارون : كان الحسن يضم الحاء من « حِجْرٌ » حيث وقع في القرآن « 3 » إلّا موضعا واحدا : وَحِجْراً مَحْجُوراً « 4 » . والحاصل أن هذه المادة دل على المنع والحصر ، ومنه : « فلان في حجر القاضي » أي : في منعه ، وفي حجري : أي : ما يمنع من الثوب أن ينفلت منه شيء ، وقد تقدم تحقيق ذلك في النساء « 5 » . فقوله تعالى : وَحَرْثٌ حِجْرٌ أي : ممنوع ، ف « فعل » بمعنى مفعول ، كالذّبح والنّطح بمعنى : مذبوح ومنطوح . فإن قيل : قد تقدم شيئان ، وهما : أنعام ، وحرث ، وجيء بالصفة مفردة ؟ فالجواب أنه في الأصل مصدر ، والمصدر يذكر ويوحد مطلقا . وقال الزمخشري : « ويستوي في الوصف به : المذكر والمؤنث والواحد والجمع ، لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات » . قلت : يعني بكونه حكمه حكم الأسماء : أنه في الأصل مصدر لا صفة ، فالاسم هنا يراد به المصدر ، وهو مقابل الصفة . وأما بقية القراءات ، فقال أبو البقاء : إنها لغات في الكلمة . وفسر معناها بالممنوع . قلت : ويجوز أن يكون المضموم الحاء والجيم مصدرا ، وقد جاء من المصادر للثلاثي ما هو على وزن فعل بضم الفاء والعين ، نحو : حلم . ويجوز أن يكون جمع « حِجْرٌ » بفتح الحاء وسكون الجيم ، وفعل قد جاء قليلا جمعا ل « فعل » ، نحو : سقف وسقف ، ورهن ورهن ، وأن يكون جمعا ل « فعل » بكسر الفاء ، و « فعل » وأيضا قد جاء جمعا ل « فعل » بكسر الفاء وسكون العين ، نحو : جذع وجذع . وأما « حجر » بضم الحاء وسكون الجيم فهو مخفف من المضمومها ، فيجوز أن يكون مصدرا ، وأن يكون جمعا ل « حجر ، أو حجر » ، وقرأ أبي بن كعب وعبد اللّه بن العباس وعبد اللّه بن مسعد وعبد اللّه بن الزبير وعكرمة وعمرو بن دينار والأعمش « حرج » بكسر الحاء وراء ساكنة مقدمة على الجيم ، وفيها تأويلان : أحدهما : أنها من مادة « الحرج » وهو : التضييق . قال أبو البقاء : وأصله : « حرج » بفتح الحاء وكسر الراء ،
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 112 ) . ( 2 ) انظر مختصر الشواذ ( 41 ) . ( 3 ) انظر الآية ( 80 ) من سورة الحجر . ( 4 ) سورة الفرقان ( 53 ) . ( 5 ) الآية ( 23 ) .