أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
19
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 13 إلى 14 ] وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 13 ) قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 14 ) قوله : وَلَهُ ما سَكَنَ . . . جملة من مبتدأ وخبر ، وفيها قولان : أظهرهما : أنها استئناف إخبار بذلك . والثاني : أنها في محل نصب نسقا على قوله : « للّه » ، أي : على الجملة المحكية ب « قل » أي : قل هو للّه ، وقل له ما سكن . و « ما » موصولة بمعنى « الذي » ، ولا يجوز غير ذلك . و « سَكَنَ » قيل : معناه : ثبت واستقر ، ولم يذكر الزمخشري غيره . وقيل : هو من سكن مقابل تحرك فعلى الأول : لا حذف في الآية الكريمة . قال الزمخشري : « وتعديه ب « فِي » كما في قوله : وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ « 1 » ورجّح هذا التفسير ابن عطية . وعلى الثاني : اختلفوا ، فمنهم من قال : لا بدّ من محذوف لفهم المعنى ، وقدّر ذلك المحذوف معطوفا فقال : تقديره : وله ما سكن وما تحرك ، كقوله في موضع آخر : تَقِيكُمُ الْحَرَّ « 2 » أي : والبرد ، وحذف المعطوف فاش في كلامهم ، وأنشد : 1881 - كأنّ الحصى من خلفها وأمامها * إذا خذفته رجلها خذف أعسرا « 3 » وقال آخر : 1882 - فما كان بين الخير لو جاء سالما * أبو حجر إلّا ليال قلائل « 4 » فيريد : رجلها ويدها ، وبين الخير وبيني . ومنهم من قال : لا حذف ، لأن كل متحرك قد يسكن . وقيل : لأن المتحرك أقل ، والساكن أكثر ، فلذلك : أوثر بالذكر . قوله : أَ غَيْرَ اللَّهِ . مفعول أول ل « أَتَّخِذُ » ، و « وَلِيًّا » مفعول ثان ، وإنما قدم المفعول الأول على فعله لمعنى ، وهو إنكار أن يتخذ غير اللّه وليا ، لا اتخاذ الولي ، ونحوه قولك لمن يهين زيدا ، وهو مستحق للإكرام ، أزيدا أهنت ، أنكرت أن يكون مثله مهانا ، وقد تقدم هذا موضحا في قوله : أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ « 5 » . ومثله : أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا « 6 » أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ « 7 » ، آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ « 8 » آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ « 9 » وهو كثير . ويجوز أن يكون « أَتَّخِذُ » متعديا لواحد ، فيكون « غَيْرَ » منصوبا على الحال من « وَلِيًّا » ، لأنه في الأصل صفة له ، ولا يجيز أن تكون استثناء البتة ، كذا
--> ( 1 ) سورة إبراهيم ، آية ( 45 ) . ( 2 ) سورة النحل ، آية ( 81 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) سورة المائدة ، آية ( 116 ) . ( 6 ) سورة الأنعام ، آية ( 164 ) . ( 7 ) سورة الزمر ، آية ( 64 ) . ( 8 ) سورة يونس ، آية ( 59 ) . ( 9 ) سورة الأنعام ، آية ( 142 ) .