أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

188

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

2082 - . . . * . . . من قرع القسيّ الكنائن وقال الزمخشري - فأغلظ وأساء في عبارته - : « وأما قراءة ابن عامر - وذكرها - فشئ لو كان في مكان الضرورة وهو الشعر لكان سمجا ، كما سمج وردّ : 2083 - . . . * زجّ القلوص أبي مزاده « 1 » فكيف به في الكلام المنثور ؟ فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته ؟ والذي حمله على ذلك أنه رأى في بعض المصاحف « شركائهم » مكتوبا بالياء ، ولو قرأ بحر « الأولاد » ، و « الشركاء » ، لأن الأولاد شركاؤهم في أموالهم لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب . قلت : سيأتي بيان ما تمنى أبو القاسم أن يقرأه ابن عامر ، وأنه قد قرأ به ، فكأنّ الزمخشريّ لم يطلع على ذلك ، فلهذا تمناه . وهذه الأقوال التي ذكرتها جميعا لا ينبغي أن يلتفت إليها ، لأنها طعن في المتواتر ، وإن كانت صادرة عن أئمة أكابر ، وأيضا فقد انتصر لها من يقابلهم ، وأورد من لسان العرب نظما ونثرا ما يشهد لصحة هذه القراءة لغة . قال أبو بكر بن الأنباري : « هذه قراءة صحيحة ، وإذا كانت العرب قد فصلت بين المتضايفين بالجملة في قولهم : « هو غلام - إن شاء اللّه - أخيك » ، يريدون : هو غلام أخيك ، فإن تفصل بالمفرد أسهل انتهى : وسمع الكسائي قول بعضهم : « إنّ الشّاة لتجتر فتسمع صوت واللّه ربّها » ففصل بالقسم ، وهو في قوة الجملة . وقرأ بعض السلف : فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ « 2 » ، وفي الحديث عنه عليه السّلام : « هل أنتم تاركو لي صاحبي ، « تاركو لي أمرائي » « 3 » . وقال ابن جني في كتاب الخصائص : باب ما يرد عن العربيّ مخالفا للجمهور : إذا اتفق شيء من ذلك نظر في ذلك العربي وفيما جاء به ، فإن كان فصيحا وكان ما جاء به يقبله القياس فيحسن الظن به ، لأنه يمكن أن يكون قد وقع إليه ذلك من لغة قديمة ، قد طال عهدها وعفا رسمها . أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد ابن أبي الحجاج عن أبي خليفة الفضل بن الحباب ، قال : قال ابن عون عن ابن سيرين : قال عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - : « كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصحّ منه » . - فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب بالجهاد ، وغزو فارس والروم ولهت عن الشعر وروايته ، فلما كثر الإسلام ، وجاءت الفتوح ، واطمأنت العرب في الأمصار ، راجعوا رواية الشعر فلم يؤولوا إلى ديوان مدوّن ولا إلى كتاب مكتوب ، وألفوا ذلك ، وقد هلك من هلك من العرب بالموت والقتل ، فحفظوا أقل ذلك ، وذهب عنهم كثيره » . قال : « وحدثنا أبو بكر عن أبي خليفة عن يونس بن حبيب عن أبي عمرو بن العلاء ، قال : « ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلّا أقلّه ، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير » . قال أبو الفتح : « فإذا كان الأمر كذلك لم نقطع على الفصيح يسمع منه ما يخالف الجمهور بالخطأ ، ما وجد طريق إلى تقبّل ما يورده ، إذا كان القياس يعاضده » . قلت : وقراءة هذا الإمام بهذه الحيثية بل بطريق الأولى والأخرى لو لم تكن متواترة ، فكيف وهي متواترة ؟ . وقال ابن ذكوان : سألني الكسائي عن هذا الحرف ، وما بلغه من قراءتنا ، فرأيته كأنه أعجبه ونزع بهذا البيت : 2084 - تنفي يداها الحصى في كلّ هاجرة * نفي الدّراهيم تنقاد الصّياريف « 4 » بنصب « الدراهيم » وجر « تنقاد » . وقد روي بخفض « الدراهيم » ورفع « تنقاد » وهو الأصل ، وهو المشهور

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة إبراهيم ، الآية ( 47 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري 5 / 6 ( دار الفكر ) ومسلم في كتاب الجهاد ( 43 ) والبيهقي في السنن 6 / 310 . ( 4 ) تقدم .