أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
180
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
لا يجوز . وأما المعنى فلأن القول بالأجلين : أجل الاخترام ، والأجل المسمّى باطل ، لدلائل مقررة في غير هذا الموضع . ثم اختلفوا في هذا الاستثناء هل هو متصل أو منقطع على قولين . فذهب مكي بن أبي طالب ، وأبو البقاء ، في أحد قوليهما إلى أنه منقطع ، والمعنى : قال : النار مثواكم إلّا من آمن منكم في الدنيا ، كقوله : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى ، أي : لكن الموتة الأولى فإنهم قد ذاقوها في الدنيا ، كذلك هذا ، لكن الذين شاءهم اللّه أن يؤمنوا منكم في الدنيا ، وفيه بعد . وذهب آخرون إلى أنه متصل ، ثم اختلفوا في المستثنى منه ما هو ؟ فقال قوم : ضمير المخاطبين في قوله : « مَثْواكُمْ » ، أي : إلّا من آمن في الدنيا بعد أن كان من هؤلاء الكفرة ، و « ما » هنا بمعنى « من » التي للعقلاء ، وساغ وقوعها هنا ، لأن المراد بالمستثنى نوع وصنف ، و « ما » تقع على أنواع من يعقل ، وقد تقدم تحقيق هذا في قوله : « فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ » ، ولكن قد استبعد هذا من حيث إنّ المستثنى مخالف للمستثنى منه في زمان الحكم عليهما ، ولا بدّ أن يشتركا في الزمان ، لو قلت : قام القوم إلا زيدا كان معناه : إلّا زيدا فإنّه لم يقم ، ولا يصح أن يكون المعنى : فإنّه سيقوم في المستقبل . ولو قلت : سأضرب القوم إلّا زيد كان معناه : فإنّي لا أضربه في المستقبل ولا يصحّ أن يكون المعنى : فإنّي ضربته فيما مضى ، اللهم إلّا أن يجعل استثناء منقطعا ، كما تقدم تفسيره ، وذهب قوم إلى أن المستثنى منه زمان ، ثم اخلتف القائلون بذلك . فمنهم من قال : ذلك الزمان هو مدة إقامتهم في البرزخ ، أي : القبور ، وقيل : هو المدّة التي بين حشرهم إلى دخولهم النار ، وهذا قول الطبري ، قال : وساغ ذلك من حيث العبارة بقوله : « النَّارُ مَثْواكُمْ » لا يخصّ بها مستقبل الزمان دون غيره » . وقال الزجاج : هو مجموع الزمانين ، أي : مدّة إقامتهم في القبور ، ومدّة حشرهم إلى دخولهم النار . وقال الزمخشري : « إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ » : أي يخلدون في عذاب النّار الأبد كلّه ، إلا ما شاء اللّه ، إلا الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النّار إلى عذاب الزّمهرير ، فقد روى أنهم يدخلون واديا فيه من الزّمهرير ما يقطع أوصالهم ، فيتعاوون ويطلبون الرد إلى الجحيم » . وقال قوم : « إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ » هم العصاة الذين يدخلون النار من أهل التوحيد ، ووقعت « ما » عليهم ، لأنهم نوع ، كأنه قيل : إلّا النوع الذي دخلها من العصاة فإنّهم لا يخلّدون فيها » . والظاهر أن هذا استثناء حقيقة ، بل يجب أن يكون كذلك . وزعم الزمخشري : أنه يكون من باب قول الموتور « 1 » الذي ظفر بواتره ، ولم يزل يحرق عليه أنيابه ، وقد طلب إليه أن ينفس عن خناقه : أهلكني اللّه إن نفست عنك إلا إذا شئت ، وقد علم أنه لا يشاء إلا التشفي منه بأقصى ما يقدر عليه من التشديد والتعنيف ، فيكون قوله : إلّا إذا شئت ، من أشد الوعيد مع تهكم » ، قلت : ولا حاجة إلى ادعاء ذلك مع ظهور معنى الاستثناء فيه ، وارتكاب المجاز ، وإبراز ما لم يقع في صورة الواقع . وقال الحسن البصري : « إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ » : أي من كونهم في الدنيا بغير عذاب ، فجعل المستثنى زمن حياتهم . وهو أبعد ممّا تقدّم . وقال الفراء ، وإليه نحا الزجاج : « المعنى : إلّا ما شاء اللّه من زيادة في العذاب . وقال غيره : « إلّا ما شاء اللّه من النّكال » . وكل هذا إنما يتمشى على الاستثناء المنقطع . قال الشيخ « 2 » : « وهذا راجع إلى الاستثناء من المصدر الذي يدل عليه معنى الكلام ، إذ المعنى : يعذّبون في النّار خالدين فيها ، إلّا ما شاء اللّه من العذاب الزائد على النار ، فإنه يعذّبهم به ، ويكون إذ ذاك استثناء منقطعا ، إذ العذاب الزائد على عذاب النار لم يندرج تحت عذاب النار » . وقال ابن عطية : « ويتجه عندي في هذا الاستثناء أن
--> ( 1 ) الموتور : الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه . اللسان : وتر 4758 . ( 2 ) انظر البحر ( 4 / 221 ) .