أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

181

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يكون مخاطبة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولأمته ، وليس مما يقال يوم القيامة ، والمستثنى هو من كان من الكفرة يومئذ يؤمن في علم اللّه ، كأنه لما أخبرهم أنه يقال للكفار : « النَّارُ مَثْواكُمْ » استثنى لهم من يمكن أن يؤمن ممن يرونه يومئذ كافرا ، وتقع « ما » على صفة من يعقل ، ويؤيد هذا التأويل اتصال قوله : « إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ » أي : بمن يمكن أن يؤمن منهم » . قال الشيخ : « وهو » تأويل حسن » . وكان قد قال - قبل ذلك - : « والظاهر أن هذا الاستثناء هو من كلام اللّه تعالى للمخاطبين ، وعليه جاءت تفاسير الاستثناء . وقال ابن عطية ، ثم ساقه إلى آخره ، فكيف يستحسن شيئا حكم عليه بأنه خلاف الظاهر من غير قرينة قوية مخرجة للفظ عن ظاهره . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 129 إلى 133 ] وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 129 ) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ( 130 ) ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ ( 131 ) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 132 ) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ( 133 ) وقوله : وَكَذلِكَ نُوَلِّي . أي : كما خذلنا عصاة الإنس والجنّ حتّى استمتع بعضهم ببعض كذلك نكل بعضهم إلى بعض في النصرة والمعونة ، فهي نعت لمصدر محذوف ، أو في محل رفع ، أي : الأمر مثل تولية بعض الظالمين ، وهو رأي الزجاج في غير موضع . و « بِما كانُوا يَكْسِبُونَ » ظاهر كنظائره . قوله : مِنْكُمْ . في محل رفع صفة ل « رُسُلٌ » ، فيتعلق بمحذوف . وقوله : « يَقُصُّونَ » يحتمل أن يكون صفة ثانية ، وجاءت كذا مجيئا حسنا ، حيث تقدم ما هو قريب من المفرد على الجملة . ويحتمل أن يكون في محل نصب على الحال ، وفي صاحبها وجهان : أحدهما : هو « رُسُلٌ » ، وجاز ذلك وإن كان نكرة لتخصصه بالوصف . والثاني : أنه الضمير المستتر في « مِنْكُمْ » . وقوله : « رُسُلٌ مِنْكُمْ » زعم الفراء أن في الآية حذف مضاف ، أي : ألم يأتكم رسل من أحدكم ، يعني من جسن الإنس . قال : كقوله : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ، وإنما يخرج من الملح ، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً ، وإنما هو في بعضها ، فالتقدير : يخرج من أحدهما ، وجعل القمر في إحداهن ، فحذف للعلم به . وإنما احتاج الفراء إلى ذلك ، لأن « الرّسل » عنده مختصة بالإنس ، يعني أنه لم يعتقد أن اللّه أرسل للجنّ رسلا منهم ، بل إنما أرسل إليهم الإنس ، كما يروى في التفسير ، وعليه قام الإجماع أن