أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

179

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

2069 - توهّمت آيات لها فعرفتها * لستة أعوام ، وذا العام سابع « 1 » رماد ككحل العين لأيا أبينه * ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع إنّ « رماد » ، و « نؤي » مقطوعان على تقدير : هما رماد ونؤي ، لا بدل من « آيات » لعدم المطابقة ، ولذلك لم يرويا إلا مرفوعين ، لا منصوبين . قوله : « خالدين » منصوب على الحال ، وهي حال مقدرة ، وفي العامل فيها ثلاثة أوجه : أحدها : أنه « مَثْواكُمْ » ، لأنه هنا اسم مصدر ، لا اسم مكان ، والمعنى : النار ذات ثوائكم ، أي : إقامتكم في هذه الحال ، ولذلك ردّ الفارسي على الزجاج ، حيث قال : « المثوى » : المقام ، أي : النار مكان ثوائكم ، أي إقامتكم . قال الفارسي : « المثوى عندي في الآية اسم المصدر دون المكان ، لحصول الحال معملا فيها . واسم المكان لا يعمل عمل الفعل ، لأنه لا معنى للفعل فيه ، وإذا لم يكن مكانا ثبت أنه مصدر ، والمعنى : النار ذات إقامتكم فيها خالدين ، فالكاف والميم في المعنى فاعلون ، وإن كان في اللفظ خفضا بالإضافة ، ومثل هذا قول الشاعر : 2070 - وما هي إلّا في إزار وعلقة * مغار ابن همّام على حيّ خثعما « 2 » وهذا يدل على حذف المضاف . المعنى : وما هي إلّا في إزار وعلقة وقت إغارة ابن همّام ، ولذلك عداه ب « على » ، ولو كان مكانا لما عداه ، فثبت أنه اسم مصدر ، لامكان ، فهو كقولك : أتيتك خفوق النّجم ، ومقدم الحاج . ثم قال : « وإنّما حسن ذلك في المصادر لمطابقتها الزمان ، ألا ترى أنه منقض غير باق ، كما أن الزمان كذلك . وذكر كلاما كثيرا اختصرته . والثاني : أنّ العامل فيها فعل محذوف ، أي : يثوون فيها خالدين ، ويدل على هذا الفعل المقدر « مَثْواكُمْ » ، ويراد ب « مَثْواكُمْ » : « مكان الثوى ، وهذا جواب عن قول الفارسي المعترض به على الزجاج . الثالث : قاله أبو البقاء ، أن العامل معنى الإضافة ، ومعنى الإضافة لا يصلح أن يكون عاملا البتة ، فليس بشيء . قوله : إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ اختلفوا في المستثنى منه ، فقال الجمهور : هو الجملة التي تليها ، وهي قوله : النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها ، وسيأتي بيانه عن قرب . وقال أبو مسلم : هو مستثنى من قوله : « وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا » ، أي : إلّا من أهلكته واخترمته قبل الأجل الذي سميته لكفره وضلاله » . وقد ردّ الناس عليه هذا المذهب من حيث الصناعة ، ومن حيث المعنى ، أمّا الصناعة فمن وجهين : أحدهما : أنه لو كان الأمر كذلك كان التركيب : « إلّا ما شئت » ، ليطابق قوله : « أَجَّلْتَ » . والثاني : أنه قد فصل بين المستثنى والمستثنى منه بقوله : « قال : النَّارُ مَثْواكُمْ ، خالِدِينَ فِيها » ، ومثل ذلك

--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 79 ) ، المقرب ( 1 / 247 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 33 ) ، الخزانة ( 2 / 453 ) ، شرح شواهد الشافية ( 108 ) ، وانظر البيت الأول في الكتاب ( 2 / 86 ) ، المقتضب ( 4 / 322 ) . ( 2 ) البيت في الكتاب ( 1 / 235 ) ، منسوب إلى حميد بن ثور . وهو في رغبة الآمل من كتاب الكامل للمرصفي منسوبا إلى الطماح بن عامر ( 2 / 260 ) .