أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

174

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قرأ هنا بالجمع . قوله : « عِنْدَ اللَّهِ » يجوز أن ينتصب ب « يصيب » ، ويجوز أن ينتصب ب « صَغارٌ » ، لأنه مصدر ، وأجازوا أن يكون صفة ل « صَغارٌ » فيتعلق بمحذوف ، وقدره الزجاج ، فقال : « ثابت عند اللّه » . والصّغار : الذّل والهوان ، يقال منه : صغر يصغر صغرا وصغارا ، فهو صاغر . وأما ضد الكبر فيقال منه : صغر يصغر صغرا ، فهو صغير ، هذا قول الليث . وقال غيره : إنه يقال : صغر ، وصغر ، من الذّل » . والعندية هنا : مجاز عن حشرهم يوم القيامة ، أو عن حكمه وقضائه بذلك ، كقولك : ثبت عند فلان القاضي ، أي : في حكمه ، ولذلك قدم « الصّغار » على « العذاب » ، لأنه يصيبهم في الدنيا . و « بِما كانُوا » الباء للسببية ، و « ما » مصدرية ، ويجوز أن تكون بمعنى « الذي » . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 125 إلى 126 ] فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 125 ) وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( 126 ) وقوله : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ . كقوله : مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ « 1 » . و « من » يجوز أن تكون مرفوعة بالابتداء ، وأن تكون منصوبة بمقدر بعدها على الاشتغال ، أي : من يوفق اللّه يرد أن يهديه . و « أَنْ يَهْدِيَهُ » مفعول الإرادة . والشرح : البسط والسعة ، قاله الليث . وقال ابن قتيبة : « هو الفتح ، ومنه : شرحت اللحم ، أي : فتحته » . وشرح الكلام : بسطه وفتح مغلقه ، وهو استعارة في المعاني ، حقيقة في الأعيان . و « لِلْإِسْلامِ » أي : لقبوله وقوله : « يَجْعَلْ » يجوز أن تكون التصييرية ، وأن تكون الخلقية ، وأن تكون بمعنى « سمّى » ، وهذا الثالث نفرّ إليه المعتزلة ، كالفارسي وغيره من معتزلة النحاة ، لأن اللّه تعالى لا يصيّر ولا يخلق أحدا كذا . فعلى الأول يكون « ضَيِّقاً » مفعولا ثانيا عند من شدد ياءه ، وهم العامة غير ابن كثير ، وكذلك عند من خففها ساكنة ، ويكون فيه لغتان : التثقيل والتخفيف ، ك « ميّت ، وميت ، وهيّن ، وهين » . وقيل : المخفف مصدر : ضاق يضيق ضيقا ، كقوله : وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ « 2 » . يقال : ضاق يضيق ضيقا وضيقا ، بفتح الضاد وكسرها . وبالكسر قرأ ابن كثير في النحل والنمل « 3 » فعلى جعله مصدرا يجيء فيه الأوجه الثلاثة في المصدر الواقع وصفا لجثة ، نحو : رجل عدل ، وهو حذف مضاف ، أو المبالغة ، أو وقوعه موقع اسم الفاعل ، أي : يجعل صدره ذا ضيق ، أو ضائقا ، أو نفس الضيق مبالغة . والذي يظهر هنا في قراءة ابن كثير أنه عنده اسم صفة مخفف من « فيعل » ، وذلك أنه استقرت قراءته في مصدر هذا الفعل بالكسر ، دون الفتح في سورة النحل « 4 » والنمل « 5 » ، فلو كان هذا عنده مصدرا لكان الظاهر في قراءته الكسر ، كالموضعين المشار إليهما . وهذا من محاسن علم النحو والقراءات . والخلاف الجاري هنا جار في الفرقان « 6 » . وقال الكسائي الضّيّق بالتشديد في الأجرام ، وبالتخفيف في المعاني . ووزن « ضيّق » : « فيعل » ، ك « ميّت ، وسيّد » عند جمهور النحويين ، ثم

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 39 ) . ( 2 ) سورة النحل ، آية ( 127 ) . ( 3 ) آية ( 70 ) . ( 4 ) آية ( 127 ) . ( 5 ) آية ( 70 ) . ( 6 ) آية ( 13 ) .