أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

175

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أدغم ، ويجوز تخفيفه كما تقدم تحريره . قال الفارسي : والياء مثل الواو في الحذف ، وإن لم يعتل بالقلب كم اعتلت الواو ، اتبعت الياء الواو في هذا ، كما اتبعت في قولهم : اتّسر ، من اليسر ، فجعلت بمنزلة : اتّعد . وقال ابن الأنباري : الذي يثقل الياء يقول : وزنه من الفعل فعيل ، والأصل فيه : ضييق ، على مثال : كريم ، ونبيل ، فجعلوا الياء الأولى ألفا ، لتحركها وانفتاح ما قبلها ، من حيث أعلّوا : ضاق يضيق ، ثم أسقطوا الألف ، لسكونها وسكون « ياء » فعيل ، فأشفقوا من أن تلبس فعيل ب فعل ، فزادوا ياء على الياء ، فيكمل بها بناء الحرف ، ويقع بها فرق بين فعيل وفعل . والذين خففوا الياء ، قالوا : أمن اللبس ، لأنه قد عرف أصل هذا الحرف ، فالثقة بمعرفته مانعة من اللبس . وقال البصريون : وزنه من الفعل فيعل ، فأدغمت الياء في التي بعدها فشدد ، ثم جاء التخفيف . قال : وقد رد الفراء وأصحابه هذا على البصريين ، وقالوا : لا يعرف في كلام العرب اسم على وزن فيعل ، يعنون بكسر العين ، إنما يعرف فيعل - يعنون بفتحها - نحو : صيقل « 1 » ، وهيكل ، فمتى ادعى مدّع في اسم معتل ما لا يعرف في السالم كانت دعواه مردودة . قلت : قد تقدم تحرير هذه الأقوال عند قوله : أَوْ كَصَيِّبٍ « 2 » فليراجع ثمة . وإذا قلنا إنّه مخفف من المشدد ، فهل المحذوف الياء الأولى أو الثانية ؟ خلاف مرّت له نظائر « 3 » . وإذا كانت « يَجْعَلْ » بمعنى « يخلق » فيكون « ضَيِّقاً » حالا . وإذا كانت بمعنى « سمّى » كان مفعولا ثانيا ، والكلام عليه بالنسبة إلى التشديد والتخفيف ، وتقرير المعاني كالكلام عليه أولا . و « حَرَجاً » و « حَرَجاً » بفتح الراء وكسرها : هو المتزايد في الضيق ، فهو أخص من الأول ، فكل « حرج » ضيق من غير عكس . وعلى هذا فالمفتوح والمكسور بمعنى واحد ، يقال رجل حرج وحرج ، قال الشاعر : 2063 - لا حرج الصّدر ولا عنيف « 4 » قال الفراء : « هو في كسره ونصبه بمنزلة الوحد والوحد ، والفرد والفرد ، والدّنف والدّنف » « 5 » . وفرق الزجاج والفارسي بينهما ، فقالا : المفتوح مصدر ، والمكسورة اسم فاعل . قال الزجاج : الحرج : أضيق الضيق ، فمن قال : رجل حرج ، يعني بالفتح فمعناه : ذو حرج في صدره ، ومن قال : حرج - يعني بالكسر - جعله فاعلا ، وكذلك : دنف ودنف » . وقال الفارسي : من فتح الراء كان وصفا بالمصدر ، نحو : قمن وحرى ودنف ، ونحو ذلك من المصادر التي يوصف بها ، ولا تكون ك « بطل » ، لأن اسم الفاعل في الأمر العام إنما يجيء على « فعل » . ومن قرأ « حرجا » يعني بكسر الراء ، فهو مثل : دنف وفرق - يعني بكسر العين . وقيل : الحرج ، بالفتح ، جمع : « حرجة » ، ك « قصبة وقصب » والمكسورة صفة ك « دنف » . وأصل المادة من التشابك وشدة التضايق ، فإنّ الحرجة غيضة من شجر السّلم ملتفة ، لا يقدر أحد أن يصل إليها . قال العجاج : 2064 - عاين حيّا كالحراج نعمه « 6 » الحراج : جمع حرج ، وحرج جمع : حرجة . ومن غريب ما يحكى أن ابن عباس قرأ هذه الآية ، فقال : هل

--> ( 1 ) الصّيقل : شحّاذ السيوف وجلّاؤها والجمع : صياقل وصياقلة اللسان : صقل . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 19 ) . ( 3 ) انظر آية رقم ( 28 ) من سورة البقرة . ( 4 ) شطر بيت من الرجز انظر التهذيب ( 4 / 137 ) ( حرج ) اللسان ( حرج ) . ( 5 ) الدّنف : المرض ، ورجل دنف ودنف ومدنف ومدنف : براه المرض حتى أشفى على الموت . اللسان : دنف 1432 . ( 6 ) انظر ديوانه ( 434 ) ، المنصف ( 3 / 14 ) ، اللسان ( حرج ) .