أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
171
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
تعالى : زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ « 1 » ، وقال تعالى : وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ « 2 » . و « ما كانُوا يَعْمَلُونَ » هو القائم مقام الفاعل ، و « ما » يجوز أن تكون موصولة اسمية أو حرفية ، أو نكرة موصوفة ، والعائد على القول الأول والثالث محذوف دون الثاني عند الجمهور على ما عرف غير مرّة . وقال الزجاج : « موضع الكاف رفع ، والمعنى : مثل ذلك الذي قصصنا عليك زين للكافرين أعمالهم » . قوله : وَكَذلِكَ جَعَلْنا . قيل : « كَذلِكَ » نسق على « كَذلِكَ » قبلها ، ففيها ما فيها . وقدّره الزمخشري بأنه معناه : وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها ، كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها » . واللام في « لِيَمْكُرُوا » يجوز أن تكون للعاقبة ، وأن تكون للعلة مجازا . و « جعل » تصييرية فتتعدى لاثنين ، واختلف في تقديرهما ، والصحيح أن يكون « فِي كُلِّ قَرْيَةٍ مفعولا ثانيا قدم على الأول ، والأول « أَكابِرَ » مضافا ل « مُجْرِمِيها » . والثاني : أن يكون « فِي كُلِّ قَرْيَةٍ » مفعولا ثانيا أيضا مقدما ، و « أَكابِرَ » هو الأول ، و « مُجْرِمِيها » بدل من « أَكابِرَ » ذكر ذلك أبو البقاء . الثالث : أن يكون « أَكابِرَ » مفعولا ثانيا قدم ، و « مُجْرِمِيها » مفعول أول أخر ، والتقدير : جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر - فيتعلق الجار بنفس الفعل قبله ذكر ذلك ابن عطية . قال الشيخ : « وما أجازاه - يعني أبا البقاء وابن عطية - خطأ وذهول عن قاعدة نحوية ، وهو أن « أفعل » التفضيل إذا كان ب « من » ملفوظا بها أو مقدرة ، أو مضافة إلى نكرة كانت مفردة مذكرة على كل حال ، سواء كانت لمذكر أم مؤنث مفرد أم مثنى أم مجموع . وإذا ثنيت أو جمعت أو أنثت طابقت ما هي له ، ولزمها أحد أمرين : إمّا الألف واللام ، وإمّا الإضافة لمعرفة . وإذا تقرر ذلك فالقول بكون « مُجْرِمِيها » بدلا ، وبكونه مفعولا أول ، و « أَكابِرَ » مفعول ثان خطأ ، لاستلزام أن يبقى « أَكابِرَ » مجموعا ، وليست فيه ألف ولام ، ولا هي مضافة لمعرفة . قال : وقد تنبه الكرماني إلى هذه القاعدة ، فقال : « أضاف « أَكابِرَ » إلى « مُجْرِمِيها » ، لأن « أفعل » لا يجمع إلّا مع الألف واللام ، أو مع الإضافة » . قال الشيخ « 3 » : وكان ينبغي أن يقيد بالإضافة إلى معرفة . قلت : أما هذه القاعدة فمسلمة ولكن قد ذكر مكي مثل ما ذكر ابن عطية سواء ، وما أظنه أخذ إلّا منه ، وكذلك الواحدي أيضا ، ومنع أن يجوز إضافة « أَكابِرَ » إلى « مُجْرِمِيها » . قال الواحدي - رحمه اللّه - : « والآية على التقديم والتأخير ، تقديره : جعلنا مجرميها أكابر ، ولا يجوز أن يكون « الأكابر » مضافة ، لأنه لا يتم المعنى ، ويحتاج إلى إضمار المفعول الثاني للجعل ، لأنك إذا قلت : جعلت زيدا ، وسكت ، لم يفد الكلام حتّى تقول : رئيسا أو ذليلا أو ما أشبه ذلك ، ولأنك إذا أضفت « الأكابر » فقد أضفت النعت إلى المنعوت ، وذلك لا يجوز عند البصريين » . قلت : هذان الوجهان اللذان ردّ بهما الواحدي ليسا بشيء . أما الأول فلا نسلم أنا نضمر المفعول الثاني ، وأنه يصير الكلام غير مفيد ، وما أورده من الأمثلة فليس مطابقا ، لأنا نقول : إنّ المفعول الثاني هنا مذكور مصرح ، وهو الجار والمجرور السابق . وأما الثاني فلا نسلم أنه من باب إضافة الصفة لموصوفها ، لأن المجرمين : أكابر ، وأصاغر ، فأضاف للبيان ، لا لقصد الوصف . الرابع :
--> ( 1 ) سورة النحل ، آية ( 4 ) . ( 2 ) سورة النحل ، ( 24 ) . ( 3 ) انظر البحر ( 4 / 215 ) .