أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

172

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أن المفعول الثاني محذوف . قالوا : وتقديره : جعلنا في كلّ قرية أكابر مجرميها فسّاقا ليمكروا » . وهذا ليس بشيء ، لأنه لا يحذف شيء ، إلا لدليل ، والدليل على ما ذكروه غير واضح . وقال ابن عطية : ويقال : أكابرة ، كما يقال : أحمر وأحامرة ، قال الشاعر : 2059 - إنّ الأحامرة الثّلاثة أتلفت * مالي وكنت بهنّ قدما مولعا « 1 » قال الشيخ : ولا أعلم أحدا أجاز في جمع « أفضل » : أفاضلة ، بل نص النحويون على أن « أفعل » التفصيل يجمع للمذكر على الأفضلين « أو على الأفاضل » . قلت : وهذه الهاء يذكرها النحويون ، وأنها تكون دالة على النسب في مثل هذه البنية ، قالوا : الأزارقة ، والأشاعثة ، في الأزرق ورهطه والأشعث وبنيه ، وليس بقياس ، وليس هذا من ذلك من شيء . والجمهور على « أَكابِرَ » جمعا ، وقرأ ابن مسلم « أكبر مجرميها » بالإفراد ، وهو جائز ، وذلك أن « أفعل » التفضيل إذا أضيفت لمعرفة وأريد بها غير الإفراد والتذكير جاز أن يطابق ، كالقراءة المشهورة هنا ، وفي الحديث « 2 » : « أحاسنكم أخلاقا » ، وجاز أن يفرد ، وقد أجمع على ذلك في قوله : « وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ » . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 124 ] وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ ( 124 ) قوله : حَيْثُ يَجْعَلُ . في « حَيْثُ » هذه وجهان : أحدهما : أنها خرجت عن الظرفية ، وصارت مفعولا بها على السعة ، وليس العالم فيها « أَعْلَمُ » هذه ، لما تقدم من أن « أفعل » لا تنصب المفعول به . قال أبو علي : « لا يجوز أن يكون العامل في « حَيْثُ » : « أَعْلَمُ » هذه الظاهرة ، ولا يجوز أن يكون « حَيْثُ » ظرفا ، لأنه يصير التقدير : اللّه أعلم في هذه المواضع ، ولا يوصف اللّه تعالى بأنه أعلم في مواضع وأوقات ، لأن علمه لا يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة ، وإذا كان كذلك كان العامل في « حَيْثُ » فعلا يدل عليه « أَعْلَمُ » ، و « حَيْثُ » لا يكون ظرفا بل يكون اسما ، وانتصابه على المفعول به على الاتساع ، ومثل ذلك في انتصاب « حَيْثُ » على المفعول به اتساعا قول الشّمّاخ : 2060 - وحلّأها عن ذي الأراكة عامر * أخو الخضر يرمي حيث تكوى النّواحز « 3 »

--> ( 1 ) البيت للأعشى انظر ديوانه المقرب ( 2 / 28 ) ، الطبري ( 12 / 94 ) ، اللسان ( حمر ) . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند ( 4 / 163 ) ، وذكره الهيثمي في الموارد ( 473 ) ، حديث ( 1917 ) ، والطبراني في الكبير ( 22 / 221 ) ، ( 588 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 3 / 97 ) ، والبيهقي في السنن الكبرى ( 10 / 193 ) ، والبغوي في شرح السّنة ( 12 / 366 ) ، وعزاه المتقي الهندي في الكنز ( 3 / 10 ) ، للخرائطي . ( 3 ) ديوانه ص 182 . وهو في الحماسة البصرية ، وصفة جزيرة العرب 230 المعاني الكبير ( 2 / 783 ) ، الأزمنة والأمكنة ( 1 / 106 ) ، الاقتضاب ( 451 ) ، جمهرة أشعار العرب ( 154 ) ، وما بعدها . والنحائز : الإبل المضروبة ، من النحز ، وهو الضرب والدفع ، واحدتها : نحيزة . وحلأها : منعها من الماء . والخضر : هم ولد مالك بن طريف بن خلف بن محارب بن خصفة بن قيس عيلان ، وسموا بذلك لشدة سمرتهم . ذو الأراكة : نخل بموضع من اليمامة .