أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

170

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

بل ذكر أنه يجوز أن يعود على الموصول ، وذكر التأويلين المتقدمين ، فقال : الضمير راجع على مصدر الفعل الداخل عليه حرف النهي ، بمعنى : وإنّ الأكل منه لفسق ، أو على الموصول على : إنّ أكله لفسق ، أو جعل ما لم يذكر اسم اللّه عليه نفسه فسقا . قوله : « لِيُجادِلُوكُمْ » متعلّق ب « يوحون » ، أي : يوحون لأجل مجادلتكم . وأصل « يوحون » : يوحيون ، فأعلّ . قوله : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ قيل : إنّ لام التوطئة للقسم مقدرة ، فلذلك أجيب القسم المقدر بقوله : « إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ، وحذف جواب الشرط لسد جواب القسم مسده ، وجاز الحذف ، لأن فعل الشرط ماض . وقال أبو البقاء : حذف الفاء من جواب الشرط ، هو حسن ، إذا كان الشرط بلفظ الماضي ، وهو ههنا كذلك ، وهو قوله : « وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ » . قلت : كأنه زعم أن جواب الشرط هو الجملة من قوله : « إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ » ، والأصل : « فإنّكم » بالفاء ، لأنها جملة اسمية ، ثم حذفت الفاء لكون فعل الشرط بلفظ المضي . وهذا ليس بشيء فإنّ القسم مقدر قبل الشرط ، ويدل على ذلك حذف اللام الموطئة قبل « إِنَّ » الشرطية وليس فعل الشرط ماضيا كقوله تعالى : وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ فههنا لا يمكنه أني قول : إنّ الفاء محذوفة ، لأن فعل الشرط مضارع ، وكأن أبا البقاء - واللّه أعلم - أخذ هذا من الحوفي ، فإنّي رأيت فيه كما ذكره أبو البقاء ، ورده عليه الشيخ « 1 » بنحو مما تقدم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 122 إلى 123 ] أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 122 ) وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 123 ) قوله : أَ وَمَنْ كانَ . قد تقدم أن هذه الهمزة يجوز أن تكون مقدمة على حرف العطف ، وهو رأي الجمهور ، وأن تكون على حالها ، وبينها وبين الواو فعل مضمر . و « مَنْ » في محل رفع بالابتداء ، و « كَمَنْ » خبره ، وهي موصولة . و « يَمْشِي » في نصب صفة ل « نُوراً » . و « مَثَلُهُ » مبتدأ ، و « فِي الظُّلُماتِ » خبره ، والجملة صلة « مَنْ » و « مَنْ » مجرورة بالكاف ، والكاف ومجرورها - كما تقدم - في محل رفع خبرا ل « مَنْ » الأولى . و « لَيْسَ بِخارِجٍ » في محل نصب على الحال من الموصول ، أي : مثل الذي استقر في الظلمات حال كونه مقيما فيها . وقال أبو البقاء : « لَيْسَ » في موضع الحال من الضمير في « مِنْها » ، ولا يجوز أن يكون حالا من الهاء في « مَثَلُهُ » ، للفصل بينه وبين الحال بالخبر . « وجعل مكي الجملة حالا من الضمير المستكن « فِي الظُّلُماتِ » . وقرأ طلحة بن مصرّف : « أفمن كان » بالفاء بدل الواو قوله : كَذلِكَ زُيِّنَ » نعت لمصدر مقدر ، فقدره بعضهم : زين للكافرين تزيينا كما أحيينا المؤمنين . وقدره آخرون : زين للكافرين تزيينا لكون الكافرين في ظلمات مقيمين فيها ، والفاعل المحذوف من « زُيِّنَ » المنوب عنه هو « اللّه » تعالى ، ويجوز أن يكون « الشيطان » ، وقد صرح بكل من الفاعلين مع لفظ « زُيِّنَ » ،

--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 213 ) .