أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

157

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وما يدريكم أيها المشركون بانتفاء إيمانكم إذا جاءتكم . ويزول هذا الإشكال بأن المعنى : أيّ شيء يدريكم بعدم إيمانكم إذا جاءتكم الآيات التي اقترحتموها ، يعني : لا يمر هذا بخواطركم ، بل أنتم جازمون بالإيمان عند مجيئها ، لا يصدكم عنه صادّ ، وأنا أعلم أنكم لا تؤمنون وقت مجيئها ، لأنكم مطبوع على قلوبكم » . وأما على قراءة الغيبة فتكون الهمزة معها مكسورة ، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي بكر عن عاصم ، ومفتوحة ، وهي قراءة نافع والكسائي وحفص عن عاصم . فعلى قراءة ابن كثير ومن معه يكون الخطاب في « وَما يُشْعِرُكُمْ » جائزا فيه وجهان : أحدهما : أنه خطاب للمؤمنين ، أي : وما يشعركم أيها المؤمنون إيمانهم ، ثم استأنف إخبارا عنهم بأنهم لا يؤمنون ، فلا تطمعوا في إيمانهم . والثاني : أنه للكفار ، أي : وما يشعركم أيها المشركون ما يكون منكم ، ثم استأنف إخبارا عنهم بعدم الإيمان لعلمه السابق فيهم ، وعلى هذا ففي الكلام التفات من خطاب إلى غيبة . وعلى قراءة نافع يكون الخطاب للكفار ، وتكون « أنّ » بمعنى « لعلّ » ، كذا قاله أبو شامة ، وغيره . وقال الشيخ « 1 » - في هذه القراء « الظاهر أن الخطاب للمؤمنين ، والمعنى : وما يدريكم أيها المؤمنون أن الآية التي تقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون . يعني أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها » . ثم ساق كلام الزمخشري بعينه الذي قدمت ذكره عنه في الوجه الخامس . وقال : ويبعد جدا أن يكون الخطاب في « وَما يُشْعِرُكُمْ » للكفار . قلت : إنما استبعده ، لأنه لم ير في « أنّ » هذه أنها بمعنى « لعلّ » كما حكيته عنه . وقد جعل الشيخ في مجموع : « أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ » بالنسبة إلى كسر الهمزة وفتحها ، والخطاب والغيبة أربع قراءات ، قال : « وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والعليمي والأعشى عن أبي بكر . وقال ابن عطية : « ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية داود الأيادي « إنّها » بكسر الهمزة » . وقرأ باقي السبعة بفتحها . وقرأ ابن عامر وحمزة « لا تؤمنون » بتاء الخطاب ، والباقون بياء الغيبة . فترتب أربع قراءات ، الأولى : كسر الهمزة والياء ، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ، وأبي بكر بخلاف عنه في كسر الهمزة » . ثم قال : القراءة الثانية : كسر الهمزة والتاء ، وهي رواية العليمي والأعشى عن أبي بكر عن عاصم ، والمناسب أن يكون الخطاب للكفار في هذه القراءة ، كأنه قيل : وما يدريكم أيها الكفار ما يكون منكم ، ثم أخبرهم على جهة الجزم أنهم لا يؤمنون على تقدير مجيئها ، ويبعد جدا أن يكون الخطاب في « ما يُشْعِرُكُمْ » للمؤمنين ، وفي « تؤمنون » للكفار . ثم ذكر القراءة الثالثة والرابعة ، ووجههما بنحو مما نقلته عن الناس . وفي إثباته القراءة الثانية نظر لا يخفى ، وذلك أنه لما حكى قراءة الخطاب في « تؤمنون » لم يحكها إلا عن حمزة وابن عامر فقط ، ولم يدخل معهما أبا بكر ، لا من طريق العليمي والأعشى ، ولا من طريق غيرهما ، والغرض أن حمزة وابن عامر يفتحان همزة « أَنَّها » ، وأبو بكر يكسرها ، ويفتحها ، ولكنه لا يقرأ « يُؤْمِنُونَ » إلا بياء الغيبة ، فمن أين يجيء لنا قراءة بكسر الهمزة والخطاب ؟ وإنما أتيت بكلامه برمته لتعرف المأخذ عليه ، ثم إنّي جوّزت أن تكون هذه رواية رواها فكشفت كتابه في القراءات ، وكان قد أفرد فيه فصلا انفرد به العليمي في روايته ، فلم يذكر أنه قرأ « تؤمنون » بالخطاب البتة ، ثم كشفت كتبا في القراءات عديدة ، فلم أرهم ذكروا ذلك ، فعرفت أنه لما رأى للهمزة حالتين ، ولحرف المضارعة في « يُؤْمِنُونَ » حالتين ، ضرب اثنين في اثنين ، فجاء من ذلك أربع قراءات ، ولكن إحداها مهملة . وقوله : « لا يُؤْمِنُونَ » متعلقة بمحذوف للعلم به ، أي : لا يؤمنون بها .

--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 201 ) .