أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

158

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 110 إلى 112 ] وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 110 ) وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ( 111 ) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ( 112 ) قوله : وَنُقَلِّبُ . في هذه الجملة وجهان : أحدهما ولم يقل الزمخشري غيره : أنها وما عطف عليها من قوله : « وَنَذَرُهُمْ » عطف على « يُؤْمِنُونَ » داخل في حكم « وَما يُشْعِرُكُمْ » ، بمعنى : وما يشعركم أنّهم لا يؤمنون ، وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم ، وما يشعركم أنا نذرهم » . وهذا يساعده ما جاء في التفسير عن ابن عباس ومجاهد وابن زيد . والثاني : أنها استئناف إخبار ، وجعله الشيخ « 1 » الظاهر ، والظاهر ما تقدم . والأفئدة : جمع فؤاد ، وهو القلب ، ويطلق على العقل . وقال الراغب : « الفؤاد كالقلب ، لكن يقال له : فؤاد ، إذا اعتبر فيه معنى التفاود ، أي : التّوقد ، يقال : فأدت اللّحم ، شويته ، ومنه لحم فئيد ، أي : مشويّ . وظاهر هذا أن الفؤاد غير القلب ، ويقال فيه : فواد ، بالواو الصريحة ، وهي بدل عن الهمزة ، لأنه تخفيف قياسي ، وبه يقرأ ورش فيه وفي نظائره وصلا ووقفا ، وحمزة وقفا . ويجمع على « أفئدة » ، وهو جمع منقاس ، نحو : غراب وأغربة ، ويجوز « أفئيدة » ، وقرأ بها هشام في سورة إبراهيم « 2 » ، وسيأتي . قوله : كَما لَمْ يُؤْمِنُوا الكاف في محل نصب نعتا لمصدر محذوف ، « وَما » مصدرية ، والتقدير . كما قال أبو البقاء - : تقليبا ككفرهم ، عقوبة مساوية لمعصيتهم » . وقدّره الحوفي ب « لا يؤمنون به إيمانا ثانيا لم يؤمنوا به أوّل مرّة » . وقيل : الكاف هنا للتعليل ، أي : نقلّب أفئدتهم وأبصارهم لعدم إيمانهم به أول مرّة . وقيل في الكلام حذف . تقديره : فلا يؤمنون به ثاني مرّة لم يؤمنوا به أوّل مرّة . وقال بعض المفسرين : الكاف هنا معناها المجازاة ، أي : لما لم يؤمنوا به أول مرة نجازيهم بأن نقلّب أفئدتهم عن الهدى ، ونطبع على قلوبهم ، فكأنه قال : ونحن نقلب أفئدتهم جزاء لما لم يؤمنوا أول مرة ، قاله ابن عطية . قال الشيخ « 3 » : وهو معنى التعليل الذي ذكرناه ، إلّا أن تسمية ذلك بالمجازاة غريبة لا تعهد في كلام النحويين » . قلت : قد سبق ابن عطية إلى هذه العبارة ، قال الواحدي : وقال بعضهم : معنى الكاف في « كَما لَمْ يُؤْمِنُوا » معنى الجزاء ، ومعنى الآية : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم على ترك الإيمان في المرة الأولى » . والهاء في « بِهِ » تعود على اللّه تعالى ، أو على رسوله ، أو على القرآن ، أو على التقليب المدلول عليه بالفعل ، وهو أبعدها . و « أَوَّلَ مَرَّةٍ » نصب على ظرف الزمان ، وقد تقدم تحقيقه . وقرأ إبراهيم النخعي : « ويقلّب ، ويذرهم » بالياء ، والفاعل ضمير الباري تعالى . وقرأ الأعمش : « وتقلّب أفئدتهم وأبصارهم » ، على البناء للمفعول ، ورفع ما بعده على قيامه مقام الفاعل ، كذا رواها الزمخشري عنه . والمشهور بهذه القراءة إنما هو النّخعي أيضا ، وروي عنه

--> ( 1 ) انظر البحر 4 / 203 . ( 2 ) آية ( 37 ) . ( 3 ) انظر البحر ( 4 / 204 ) .