أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
154
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قد تقدم الكلام عليه في المائدة « 1 » . وقرأ طلحة بن مصرّف « لَيُؤْمِنُنَّ » مبنيا للمفعول مؤكدا بالنون الخفيفة . قوله : « وَما يُشْعِرُكُمْ » « ما » استفهامية مبتدأ ، والجملة بعدها خبرها ، وفاعل « يشعر » يعود عليها ، وهي تتعدى لاثنين ، الأول ضمير الخطاب ، والثاني محذوف ، أي : وأي شيء يدريكم إيمانهم إذا جاءتهم الآيات التي اقترحوها . وقرأ العامة « أَنَّها » بفتح الهمزة . وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر بخلاف عنه بكسرها . فأما قراءة الكسر فواضحة استجودها الناس ، الخليل وغيره ، لأن معناها استئناف إخبار بعدم إيمان من طبع على قلبه ، ولو جاءتهم كل آية . قال سيبويه « 2 » : « سألت الخليل عن هذه القراءة - يعني قراءة الفتح - فقلت : ما منع أن تكون كقولك : ما يدريك أنه لا يفعل ؟ فقال لا يحسن ذلك في هذا الموضع ، إنما قال : وما يشعركم ، ثم ابتدأ فأوجب فقال : إنّها إذا جاءت لا يؤمنون . ولو فتح فقال : وما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون ، لكان عذرا لهم » . وقد شرح الناس قول الخليل وأوضحوه فقال الواحدي وغيره : « لأنك لو فتحت » أنّ وجعلتها التي في نحو : « بلغني أنّ زيدا منطلق « لكان عذرا لمن أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون ، لأنه إذا قال القائل : إنّ زيدا لا يؤمن ، فقلت : وما يدريك أنه لا يؤمن ، كان المعنى أنه يؤمن ، وإذا كان كذلك كان عذرا لمن نفي عنه الإيمان ، وليس مراد الآية الكريمة إقامة عذرهم ووجود إيمانهم » . وقال الزمخشري : « وقرىء » « إنّها » بالكسر ، على أن الكلام قد تم قبله بمعنى : وما يشعركم ما يكون منهم ، ثم أخبرهم بعلمه فيهم ، فقال : إنّها إذا جاءت لا يؤمنون » . وأما قراءة الفتح فقد وجهها الناس على ستة أوجه : أظهرها : أنها بمعنى « لعلّ » حكى الخليل : ائت السّوق أنّك تشتري لنا شيئا ، أي : لعلك . فهذا من كلام العرب - كما حكاه الخليل - شاهد على كون « أنّ » بمعنى « لعلّ » ، وأنشد أبو جعفر النحاس : 2038 - أريني جوادا مات هزلا لأنّني * أرى ما ترين أو بخيلا مخلّدا « 3 » وقال امرؤ القيس - أنشده الزمخشري - : 2039 - عوجا على الطّلل المحيل لأنّنا * نبكي الدّيار كما بكى ابن حذام « 4 » وقال جرير : 2040 - هل أنتم عائجون بنا لأنّا * نرى العرصات أو أثر الخيام « 5 » وقال عدي بن زيد : 2041 - أعاذل ما يدريك أنّ منيّتي * إلى ساعة في اليوم أوفى ضحى الغد ؟ « 6 » وقال آخر : 2042 - قلت لشيبان : أدن من لقائه * أنّا نغدّي القوم من شوائه « 7 »
--> ( 1 ) آية ( 53 ) . ( 2 ) انظر الكتاب ( 3 / 123 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) انظر البيت في تفسير الرازي ( 13 / 144 ) ، تفسير الطبري ( 12 / 41 ) ، اللسان ( أنن ) . ( 7 ) البيت لأبي النجم العجلي انظر الكتاب ( 3 / 116 ) ، الإنصاف ( 2 / 591 ) ، مجال ثعلب ( 1 / 127 ) ، الطبري ( 12 / 43 ) .