أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

155

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ف « أنّ » في هذه المواضع كلّها بمعنى « لعلّ » . قالوا : ويدل على ذلك أنها في مصحف أبيّ ، وقراءته « وما أدراكم لعلّها إذا جاءت لا يؤمنون » ، ونقل عنه : « وما يشعركم لعلّها إذا جاءت » ، ذكر ذلك أبو عبيد وغيره ، ورجحوا ذلك أيضا بأن « لعلّ » قد كثر وروده في مثل هذا التركيب كقوله تعالى : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ « 1 » ، وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى « 2 » وممن جعل « أنّ » بمعنى « لعلّ » أيضا يحيى بن زياد الفراء ، ورجّح الزجاج ذلك ، فقال : « زعم سيبويه عن الخليل أن معناها : لعلّها » « 3 » ، قال : وهذا الوجه أقوى في العربية وأجود . ونسب القراءة لأهل المدينة ، وكذا أبو جعفر . قلت : وقراءة الكوفيين والشاميين أيضا ، إلا أن أبا على الفارسي ضعّف هذا القول الذي استجوده الناس وقووه تخريجا لهذه القراءة ، فقال : التوقع الذي تدل عليه « لعلّ » لا يناسب قراءة الكسر ، لأنها تدل على حكمه تعالى عليهم بأنهم لا يؤمنون - ولكنه لما منع كونها بمعنى « لعلّ » لم يجعلها معمولة ل « يُشْعِرُكُمْ » ، بل جعلها على حذف لام العلة ، أي : لأنها ، والتقدير عنده : قل إنّما الآيات عند اللّه ، لأنها إذا جاءت لا يؤمنون ، فهو لا يأتي بها لإصرارهم على كفرهم ، فيكون نظير : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ أي : بالآيات المقترحة - وعلى هذا فيكون قوله : « وَما يُشْعِرُكُمْ » اعتراضا بين العلة والمعلول . الثاني : أن تكون « لا » مزيدة . وهذا رأي الفراء ، وشيخه ، قال : « ومثله : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ « 4 » . فيكون التقدير : وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون ، والمعنى على هذا أنها لو جاءت لم يؤمنوا ، وإنما حملهما على زيادتها ما تقدم من أنها لو لم تقدر زائدة لكان ظاهر الكلام عذرا للكفار ، وأنهم يؤمنون ، كما عرفت تحقيقة أولا ، إلا أن الزجاج نسب ذلك إلى الغلط ، فقال : « والذي ذكر أن « لا » لغو غالط ، لأن ما يكون لغوا لا يكون غير لغو . ومن قرأ بالكسر فالإجماع على أن « لا » غير لغو ، فليس يجوز أن يكون معنى لفظة مرّة النفي ومرة الإيجاب في سياق واحد . وانتصر الفارسي لقول الفراء ، ونفي عنه الغلط ، فإنّه قال : يجوز أن تكون « لا » في تأويل زائدة ، وفي تأويل غير زائدة ، كقول الشاعر : 2043 - أبى جوده لا البخل واستعجلت به * نعم من فتى لا يمنع الجود نائله « 5 » ينشد بالوجهين ، أي : ينصب « البخل » وجره ، فمن نصبه كانت زائدة ، أي : أبى جوده البخل . ومن خفض كانت غير زائدة ، وأضاف « لا » إلى « البخل » . قلت : وعلى تقدير النصب لا يلزم زيادتها ، لجواز أن تكون « لا » مفعولا بها ، و « البخل » بدل منها ، أي : أبى جوده لفظ « لا » ، ولفظ « لا » هو بخل ، وقد تقدم لك طرف من هذا محققا عند قوله تعالى : وَلَا الضَّالِّينَ « 6 » في أوائل هذا الموضوع ، وسيمر بك مواضع منها ، كقوله تعالى : وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ « 7 » ، قالوا : تحتمل الزيادة وعدمها ، وكذا : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ « 8 » ، لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ . الثالث : أن الفتح على تقدير لام العلة ، والتقدير : إنما الآيات التي يقترحونها عند اللّه ، لأنها إذا جاءت لا يؤمنون ، « وَما يُشْعِرُكُمْ » اعتراض ، كما تقدم تحقيق ذلك عن أبي علي ، فأغنى عن إعادته ، وصار المعنى :

--> ( 1 ) سورة الشورى ، آية ( 17 ) . ( 2 ) سورة عبس ، آية ( 3 ) . ( 3 ) انظر الكتاب ( 3 / 123 ) . ( 4 ) سورة الأعراف ، آية ( 12 ) . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) سورة الفاتحة ، آية ( 7 ) . ( 7 ) سورة الأنبياء ، آية ( 95 ) . ( 8 ) سورة الأعراف ، آية ( 12 ) .