أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
152
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
النبي وتلاه وكرر عليه ، أو بمعنى : بلى الكتاب وامّحى ، وهكذا في مصحف عبد اللّه « درس » . وقرأ الحسن في رواية « درسن » فعلا ماضيا مسندا لنون الإناث ، هي ضمير الآيات ، وكذا هي في بعض مصاحف ابن مسعود . وقرىء « درّسن » كالذي قبله ، إلّا أنه بالتشديد بمعنى اشتدد دروسها وبلاها ، كما تقدم . وقرىء « دارسات » جمع : دارسة ، بمعنى قديمات ، أو بمعنى : ذات دروس ، نحو : عِيشَةٍ راضِيَةٍ « 1 » ، و ماءٍ دافِقٍ « 2 » ، وارتفاعها على خبر ابتداء مضمر ، أي : هي دارسات ، والجملة في محل نصب بالقول قبلها . وقوله : « وَلِنُبَيِّنَهُ » تقدم أن هذا عطف على ما قبله ، فحكمه حكمه ، وفي الضمير المنصوب أربعة احتمالات : أحدها : أنه يعود على « الْآياتِ » وجاز ذلك ، وإن كانت مؤنثة ، لأنها بمعنى القرآن . الثاني : أنه يعود على « الْكِتابُ » * ، لدلالة السياق عليه ، ويقوي هذا أنه فاعل ل « درس » في قراءة من قرأه كذلك . الثالث : أنه يعود على المصدر المفهوم من « نُصَرِّفُ » أي : نبين التصريف . الرابع : أن يعود على المصدر المفهوم من « لِنُبَيِّنَهُ » أي : نبين التبيين ، نحو : « ضربته زيدا » أي : ضربت الضرب زيدا . و « لِقَوْمٍ » متعلق بالفعل قبله . و « يَعْلَمُونَ » في محل جر صفة للنكرة قبلها . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 106 إلى 108 ] اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 106 ) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 107 ) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 108 ) وقوله : ما أُوحِيَ . يجوز أن تكون « ما » اسمية ، والعائد هو القائم مقام الفاعل ، و « إِلَيْكَ » فضلة . وأجازوا أن تكون مصدرية ، والقائم مقام الفاعل حينئذ الجار والمجرور ، أي : الإيحاء الجائي من ربّك ، و « مِنْ » لابتداء الغاية مجازا ، ف « مِنْ رَبِّكَ » متعلق ب « أُوحِيَ » ، وقيل : بل هو حال من « ما » نفسها ، وقيل : بل هو حال من الضمير المستتر في « أُوحِيَ » ، وهو بمعنى ما قبله . قوله : « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » جملة معترضة بين هاتين الجملتين الأمريتين ، هذا هو الأحسن . وجوز أبو البقاء أن تكون حالا من ربّك ، وهي حال مؤكدة ، تقديره : من ربّك منفردا . وقوله : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ . مفعول المشيئة محذوف ، أي : لو شاء اللّه إيمانهم ، وقد تقدم « 3 » أنه لا يذكر إلّا لغرابته . وقوله : « جَعَلْناكَ » هي بمعنى « صيّر » فالكاف مفعول أول ، و « حَفِيظاً » هو الثاني ، و « عَلَيْهِمْ » متعلّق به ، قدم للاهتمام أو للفواصل . ومفعول « حفيظ » محذوف ، أي : حفيظا عليهم أعمالهم . قال أبو البقاء : « وهذا يؤيد قول سيبويه « 4 » في إعمال
--> ( 1 ) سورة القارعة ، آية ( 7 ) . ( 2 ) سورة الطارق ، آية ( 6 ) . ( 3 ) انظر الآية ( 20 ) من سورة البقرة . ( 4 ) انظر الكتاب ( 1 / 112 - 114 ) .