أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

134

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أي : وجعل الشمس . وإن قلنا : إنه غير ماض فمذهب سيبويه « 1 » أيضا أن النصب بإضمار فعل ، تقول : « هذا ضارب زيد الآن ، أو غدا وعمرا ، فتنصب « عمرا » بفعل مقدر ، لا على موضع المجرور باسم الفاعل ، وعلى رأي غيره يكون النصب على محل المجرور ، وينشدون قوله : 2022 - هل أنت باعث دينار لحاجتنا * أو عبد ربّ أخا عون بن مخراق « 2 » بنصب « عبد » ، وهو محتمل للمذهبين . وقال الزمخشري : « أو يعطفان على محل « اللَّيْلَ » . فإن قلت : كيف يكون لليل محل ، والإضافة حقيقة ، لأن اسم الفاعل المضاف إليه في معنى المضي ، ولا تقول : « زيد ضارب عمرا أمس » ؟ قلت : ما هو بمعنى الماضي ، وإنما هو دال على فعل مستمر في الأزمنة » . قال الشيخ « 3 » : أما قوله : إنما هو دال على فعل مستمر في الأزمنة يعني فيكون عاملا ، ويكون للمجرور إذ ذاك بعده موضع فيعطف عليه : « الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ » . قال : وهذا ليس بصحيح ، إذا كان لا يتقيد بزمن خاص ، وإنما هو للاستمرار ، فلا يجوز له أن يعمل ، ولا لمجروره محل ، وقد نصوا على ذلك ، وأنشدوا : 2023 - ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة * . . . « 4 » فليس « الكاسب » هنا مقيدا بزمان ، وإذا تقيد بزمان فإما أن يكون ماضيا دون « أل » فلا يعمل عند البصريين ، أو ب « أل » ، أو حالا أو مستقبلا ، فيعمل ويضاف ، على ما أحكم في النحو . ثم قال : وعلى تقدير تسليم أنّ الذي للاستمرار يعلم ، فلا يجوز العطف على محل مجروره ، بل مذهب سيبويه في الذي بمعنى الحال والاستقبال ألا يجوز العطف على محل مجروره ، بل النصب بفعل مقدر لو قلت : « هذا ضارب زيد وعمرا » لم يكن نصب « عمرا » على المحل على الصحيح ، وهو مذهب سيبويه « 5 » لأن شرط العطف على الموضع مفقود ، وهو أن يكون للموضع محرز لا يتغير ، وهذا موضح في علم النحو . « قلت : وقد ذكر الزمخشري في أول الفاتحة في مالِكِ يَوْمِ « 6 » أنه لما لم يقصد به زمان صارت إضافته محضة ، فلذلك وقع صفة للمعارف » . فمن لازم قوله : « أنه يتعرّف بالإضافة ألا يعمل ، لأن العامل في نية الانفصال عن الإضافة ، ومتى كان في نية الانفصال كان نكرة ، ومتى كان نكرة فلا يقع صفة للمعرفة ، وهذا حسن حيث يرد عليه بقوله . وقد تقدم تحقيق هذا في الفاتحة . وقرأ أبو حيوة : « والشّمس والقمر » جرا ، نسقا على « اللَّيْلَ » . وقرىء شاذا « والشمس والقمر » رفعا على الابتداء . وكان من حقه أن يقرأ « حسبان » رفعا على الخبر ، وإنما قرأه نصبا ، فالخبر حينئذ محذوف ، تقديره : مجعولان حسبانا ، أو مخلوقان حسبانا . فإن قلت : لا يمكن في هذه القراءة رفع « حسبان » حتى يلزم القارئ بذلك ، لأن « الشمس والقمر ليسا نفس الحسبان ؟ فالجواب : أنهما في قراءة النصب إما مفعولان أولان ، و « حُسْباناً » ثان ، وإما صاحبا حال ، و « حُسْباناً » حال ، والمفعول الثاني هو الأول . والحال لا بدّ وأن تكون صادقة على ذي الحال ، فمهما كان الجواب لكم كان لنا ، والجواب ظاهر مما تقدم . و « الحسبان » فيه قولان ، أحدهما : أنه جمع ، فقيل : جمع حساب ، كركاب وركبان ، وشهاب وشهبان ، وهذا قول أبي عبيد ، والأخفش ، وأبي الهيثم ، والمبرد . وقال أبو البقاء : هو جمع حسبانة .

--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 1 / 169 ) . ( 2 ) البيت من أبيات سيبويه مجهولة النسبة انظر الكتاب ( 1 / 171 ) ، المقتضب ( 4 / 151 ) ، الهمع ( 2 / 145 ) ، الدرر ( 2 / 204 ) ، الخزانة ( 7 / 215 ) ، البحر ( 7 / 15 ) . ( 3 ) انظر البحر ( 4 / 187 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) انظر الكتاب ( 1 / 171 ) . ( 6 ) سورة الفاتحة ، آية ( 4 ) .