أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

135

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وهو غلط ، لأن الحسبانة : القطعة من النار ، وليس المراد ذلك قطعا . وقيل : بل هو مصدر ، كالرّجحان ، والنّقصان ، والخسران . وأما « الحساب » فهو اسم ، لا مصدر ، وهذا قول ابن السكيت . وقال الزمخشري : « الحسبان » بالضم مصدر « حسبت » - يعني بالفتح - كما أن « الحسبان » بالكسر مصدر « حسبت » - يعني بالكسر - ونظيره : الكفران ، والشّكران . « وقيل : بل « الحسبان ، والحسبان » مصدران ، وهو قول أحمد بن يحيى . وأنشد أبو عبيد عن أبي زيد في مجيء « الحسبان » مصدرا قوله : 2024 - على اللّه حسباني إذا النّفس أشرفت * على طمع أو خاف شيئا ضميرها « 1 » وانتصاب « حُسْباناً » على ما تقدم من المفعولية أو الحالية . وقال ثعلب عن الأخفش : إنه منصوب على إسقاط الخافض ، والتقدير : يجريان بحسبان ، كقوله : لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً « 2 » أي : من طين . وقوله : « ذلِكَ » إشارة إلى ما تقدم من الفلق ، أو الجعل ، أو جميع ما تقدم من الأخبار في قوله : « فالِقُ الْحَبِّ » إلى « حُسْباناً » . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 97 إلى 98 ] وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 97 ) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ( 98 ) وقوله : جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ . الظاهر أن « جَعَلَ » بمعنى « خلق » متعدية لواحد . و « لَكُمُ » متعلق ب « جَعَلَ » ، وكذا « لِتَهْتَدُوا » . فإن قيل : كيف يتعلق حرفا جرّ متحدان في اللفظ والمعنى ؟ فالجواب أن الثاني بدل من الأول بدل اشتمال بإعادة العامل ، فإنّ « لِتَهْتَدُوا » جار ومجرور ، إذ اللام لام « كي » والفعل بعدها منصوب بإضمار « أن » عند البصريين ، وقد تقدم « 3 » تقريره . والتقدير : جعل لكم النجوم لاهتدائكم ، ونظيره في القرآن : لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ « 4 » ، ف « لِبُيُوتِهِمْ » بدل من « لِمَنْ يَكْفُرُ » بإعادة العامل . وقال ابن عطية : « وقد يمكن أن تكون بمعنى « صيّره » ، ويقدر المفعول الثاني من « لِتَهْتَدُوا » أي : جعل لكم النجوم هداية » . قال الشيخ « 5 » : وهو ضعيف لندور حذف أحد مفعولي « ظن وأخواتها » . قلت : لم يدّع ابن عطية حذف المفعول الثاني حتى تجعله ضعيفا ، إنما قال : إنه من « لِتَهْتَدُوا » أي : فيقدر متعلق الجار الذي وقع مفعولا ثانيا ، كما يقدر في نظائره ، والتقدير : جعل لكم النجوم مستقرة ، أو كائنة لاهتدائكم . وأما قوله : أي جعل لكم النجوم هداية ، فلإيضاح المعنى وبيانه . و « النُّجُومَ » معروفة ، وهي جمع « نجم » ، و « النّجم » في الأصل : مصدر ، يقال : نجم الكوكب ينجم نجما ونجوما ، فهو ناجم ، ثم أطلق على « الكوكب » مجازا ، فالنجم يستعمل مرّة اسما للكوكب ، ومرّة مصدرا ، والنجوم تستعمل مرّة للكواكب ، وتارة مصدرا ، ومنه : « نجم النبت » أي : طلع ، و « نجم قرن الشاة » ، وغيرها . والنجم من النبات : ما لا ساق له ، والشجر : ما له ساق . والتنجيم : التفريق ، ومنه : نجوم الكتابة ، تشبيها بتفرق الكواكب . قوله : فَمُسْتَقَرٌّ .

--> ( 1 ) انظر البيت في تهذيب اللغة ( 4 / 331 ) ، ( حسب ) اللسان ( حسب ) . ( 2 ) سورة الإسراء ، الآية ( 61 ) . ( 3 ) سورة النساء ، آية ( 26 ) . ( 4 ) سورة الزخرف ، آية ( 33 ) . ( 5 ) انظر البحر ( 4 / 188 ) .