أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
128
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ف « مقالة » بدل من « أنّك لمتني » ، وهو فاعل ، والرواية بفتح تاء « مقالة » ، بنيت لإضافتها إلى « أن » وما في حيّزها . الخامس : المسألة من باب الإعمال ، وذلك أن « تَقَطَّعَ » و « ضَلَّ » كلاهما يتوجهان على « ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ » ، كل منهما يطلبه فاعلا ، فيجوز أن تكون المسألة من باب إعمال الثاني ، وأن تكون من إعمال الأول ، لأنه ليس هنا قرينة تعيّن ذلك إلّا أنك قد عرفت مما تقدم أنّ مذهب البصريين اختيار إعمال الثاني ، ومذهب الكوفيين بالعكس ، وقد تقدم تقرير ذلك في البقرة « 1 » ، فعلى اختيار البصريين يكون « ضَلَّ » هو الرافع ل « ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ » واحتاج الأول ، فأعطيناه ضميره فاستقر فيه ، وعلى اختيار الكوفيين يكون « تَقَطَّعَ » هو الرافع ل « كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ » وفي « ضَلَّ » ضميره فاعلا به ، وعلى كلا القولين ف « بَيْنَكُمْ » منصوب على الظرف ، وناصبه « تَقَطَّعَ » . السادس : أن الظرف صلة لموصول محذوف ، تقديره : تقطع ما بينكم ، فحذف الموصول ، وهو « ما » وقد تقدم « 2 » أن ذلك رأي الكوفيين ، وتقدم ما استشهدوا به عليه من القرآن ، وأبيات العرب ، واستدل القائل بذلك بقول الشاعر : 2003 - يديرونني عن سالم وأديرهم * وجلدة بين الأنف والعين سالم « 3 » وبقول الآخر : 2004 - ما بين عوف وإبراهيم من نسب * إلّا قرابة بين الزّنج والرّوم « 4 » تقديره : وجلدة ما بين ، وإلا قرابة ما بين ، ويدل على ذلك قراءة عبد اللّه ومجاهد والأعمش : « لقد تقطّع ما بينكم » . السابع : قال الزمخشري : « لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ » : لقد وقع التقطع بينكم ، كما تقول : جمع بين الشيئين ، تريد أوقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التأويل ، انتهى . « قوله : « بهذا التأويل » قول حسن ، وذلك أنه لو أضمر في « تَقَطَّعَ » ضمير المصدر والمفهوم منه لصار التقدير : تقطّع التقطّع بينكم ، وإذا تقطّع التقطّع بينهم حصل الوصل ، وهو ضد المقصود ، فاحتاج أن قال : إن الفعل أسند إلى مصدره ، بالتأويل المذكور ، إلا أن الشيخ اعترضه ، فقال : « وظاهره أنه ليس بجيد ، وتحريره أنه أسند الفعل إلى ضمير مصدره فأضمره فيه ، لأنه إن أسنده إلى صريح المصدر فهو محذوف ، ولا يجوز حذف الفاعل ، ومع هذا التقدير فليس بصحيح ، لأن شرط الإسناد مفقود فيه ، وهو تغاير الحكم والمحكوم عليه » . يعني أنه لا يجوز أن يتحد الفعل والفاعل في لفظ واحد من غير فائدة ، لا تقول : « قام القائم ، ولا قعد القاعد » ، فتقول : إذا أسند الفعل إلى مصدره فإما إلى مصدره الصريح من غير إضمار ، فيلزم حذف الفاعل ، وإمّا إلى ضميره ، فيبقى تقطّع التقطع » ، وهو مثل : « قام القائم » وذلك لا يجوز مع أنه يلزم عليه أيضا فساد المعنى كما تقدم من أنه يلزم أن يحصل لهم الوصل ، وهذا الذي أورده الشيخ وقررته من كلامه
--> ( 1 ) آية ( 36 ) . ( 2 ) انظر الكلام على آية ( 106 ) سورة المائدة . ( 3 ) اختلف في نسبة هذا البيت فنسب لأبي الأسود وقيل لعبد اللّه بن عمر وقيل لعبد اللّه بن معاوية انظر أمالي القالي ( 1 / 15 ) ، اللسان ( دور ) . ( 4 ) البيت لجرير انظر ديوانه ( 393 ) ، وروايته فيه : ما بين تيم وإسماعيل من نسب * إلا القرابة بين الزنج والروم