أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

129

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

حتى فهم ، لا يرد لما تقدم من قول الزمخشري على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التأويل ، وقد تقدم ذلك التأويل . وأما القراءة الثانية ففيها ثلاثة أوجه : أحدها : أنه اتسع في هذا الظرف ، فأسند الفعل إليه فصار اسما كسائر الأسماء المتصرف فيها ، ويدل على ذلك قوله تعالى : وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ « 1 » ، فاستعمله مجرورا ب « مِنْ » وقوله تعالى : فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ « 2 » ، مَجْمَعَ بَيْنِهِما « 3 » ، شَهادَةُ بَيْنِكُمْ « 4 » وحكى سيبويه : هو أحمر بين العينين » ، وقال عنترة : 2005 - وكأنّما أقص الإكام عشيّة * بقريب بين المنسمين مصلّم وقال مهلهل : 2006 - كأنّ رماحنا أشطان بئر * بعيد بين جاليها جرور « 5 » فقد استعمل في هذه المواضع كلّها مضافا إليه متصرفا فيه ، فكذا هنا ، ومثله قوله : 2007 - . . . * وجلدة بين الأنف والعين سالم « 6 » وقوله : 2008 - . . . * إلّا قرابة بين الزّنج والرّوم « 7 » وقوله : 2009 - ولم يترك النّبل المحالف بينها * أخا لأخ يرجى وماتورة الهند « 8 » يروى برفع « بينها » وفتحه ، على أنه فاعل ل « محالف » ، وإنما بني لإضافته إلى مبنى ، ومثله في ذلك « أمام » ، و « دون » كقول الشاعر : 2010 - فغدت كلا الفرجين تحسب أنّه * مولى المخافة خلفها وأمامها « 9 » برفع « أمام » ، وقوله : 2011 - ألم تر أنّي قد حميت حقيقتي * وباشرت حدّ الموت والموت دونها « 10 » برفع « دون » . الثاني : أن « بين » اسم غير ظرف ، وإنما معناها « الوصل » أي : لقد تقطّع وصلكم . ثم للناس بعد ذلك

--> ( 1 ) سورة فصلت ، آية ( 5 ) . ( 2 ) سورة الكهف ، آية ( 78 ) . ( 3 ) سورة الكهف ، آية ( 61 ) . ( 4 ) سورة المائدة ، آية ( 106 ) . ( 5 ) انظر مجاز القرآن ( 1 / 201 ) ، شرح الحماسة ( 1 / 399 ) ، الكامل ( 1 / 376 ) ، اللسان ( بين ) . ( 6 ) تقدم . ( 7 ) تقدم . ( 8 ) لم نعثر عليه . ( 9 ) البيت من معلقة لبيد بن ربيعة - انظر شرح القصائد العشر ( 283 ) ، ديوانه ( 173 ) ، الكتاب ( 1 / 407 ) ، المقتضب ( 3 / 102 ) ، الهمع ( 1 / 210 ) ، ابن يعيش ( 2 / 44 ) ، الدرّر ( 1 / 178 ) ، شواهد الكشاف ( 542 ) . ( 10 ) البيت لموسى بن جابر انظر شرح الحماسة ( 1 / 371 ) ، الهمع ( 1 / 213 ) ، التصريح ( 1 / 290 ) ، شرح الشذور ( 81 ) .