أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

127

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الثاني : أن الفاعل هو « بَيْنَكُمْ » ، وإنما بقي على حاله منصوبا ، حملا له على أغلب أحواله « 1 » ، وهو مذهب الأخفش ، وجعلوا من ذلك أيضا قوله : يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ فيمن بناه للمفعول ، وكذا قوله تعالى : وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ « 2 » ، قال الواحدي : لما جرى في كلامهم منصوبا ظرفا تركوه على ما يكون عليه في أكثر الكلام ، ثم قال في قوله : « ومنّا دون ذلك » - : ف « دون » في موضع رفع عنده ، وإن كان منصوب اللفظ ، ألا ترى أنك تقول : منّا الصّالحون ومنّا الطّالحون ، إلا أن الناس لما حكوا هذا المذهب لم يتعرضوا لبناء هذا الظرف ، بل صرّحوا بأنه معرب منصوب ، وهو مرفوع المحل ، قالوا : وإنما بقي على نصبه اعتبارا بأغلب أحواله . وفي كلام الشيخ لما حكى مذهب الأخفش ما يصرح بأنه مبني ، فإنه قال : « وخرجه الأخفش على أنه فاعل ، ولكنه مبني ، حملا على أكثر أحوال هذا الظرف » . وفيه نظر ، لأن ذلك لا يصلح أن يكون علة للبناء ، وعلل للبناء ، وعلل البناء محصورة ، ليس هذا منها . ثم قال الشيخ « 3 » « وقد يقال لإضافته إلى مبني ، كقوله : وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ « 4 » . وهذا ظاهر في أنه جعل حمله على أكثر أحواله علة لبنائه كما تقدم . الثالث : أن الفاعل محذوف ، و « بَيْنَكُمْ » صفة له قامت مقامه ، تقديره : لقد تقطّع وصل بينكم ، قاله أبو البقاء ، ورده الشيخ « 5 » بأن الفاعل لا يحذف . « وهذا غير ردّ عليه ، فإنه يعني بالحذف عدم ذكره لفظا ، وإن شاء قام مقامه ، فكأنه لم يحذف . وقال ابن عطية : « ويكون الفعل مسندا إلى شيء محذوف ، أي : لقد تقطّع الاتصال بينكم والارتباط ، ونحو هذا ، وهذا وجه واضح وعليه فسّر الناس . « وردّه الشيخ بما تقدم . ويجاب عنه بأنه عبر بالحذف عن الإضمار لأن كلّا منهما غير موجود لفظا . الرابع : أن « بَيْنَكُمْ » هو الفاعل ، وإنما بني لإضافته إلى غير متمكن ، كقوله تعالى : إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ « 6 » ، بفتح « مِثْلَ » ، وهو تابع لحقّ المرفوع ولكنه بني لإضافته إلى غير متمكن ، وسيأتي في مكانه ، ومثله قول الآخر : 2000 - فتداعى منخراه بدم * مثل ما أثمر حمّاض الجبل « 7 » بفتح « مِثْلَ » مع أنها تابعة ل « دم » ، ومثله قول الآخر : 2001 - لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت * حمامة في غصون ذات أو قال « 8 » بفتح « غير » ، وهي فاعل « يمن » ، ومثله قول النابغة : 2002 - أتاني - أبيت اللعن - أنّك لمتني * وتلك الّتي تستكّ منها المسامع مقالة أن قد قلت : سوف أناله * وذلك من تلقاء مثلك رائع « 9 »

--> ( 1 ) انظر الكلام على آية ( 9 ) من سورة البقرة . ( 2 ) سورة الجن ، آية ( 11 ) . ( 3 ) انظر البحر ( 4 / 182 ) . ( 4 ) سورة الجن ، آية ( 11 ) . ( 5 ) انظر البحر ( 4 / 183 ) . ( 6 ) سورة الذاريات ، آية ( 23 ) . ( 7 ) انظر البيت في المغرب ( 1 / 102 ) ، ابن يعيش ( 8 / 135 ) ، ابن الشجري ( 2 / 266 ) ، اللسان حمص . ( 8 ) البيت لأبي قيس بن الأسلت انظر معاني الفراء ( 1 / 283 ) ، الإنصاف ( 1 / 287 ) ، الهمع ( 1 / 219 ) ، الخزانة ( 3 / 406 ) . ( 9 ) انظر ديوانه ( 54 ) ، معاهد التنصيص ( 1 / 3331 ) ، المغني ( 2 / 518 ) ، تستك : تسد تصمت . رائع : مخيف .