أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
126
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أنها لا محل لها لاستئنافها ، و « ما » مفعولة ب « ترك » ، وهي موصولة اسمية ، ويضعف جعلها نكرة موصوفة ، والعائد محذوف ، أي : ما خولناكموه . و « ترك » هنا متعدية لواحد ، لأنها بمعنى التخلية ، ولو ضمنت معنى صيّر تعدت لاثنين . و « خوّل » يتعدى لاثنين ، لأنه بمعنى أعطى وملّك . و « الخول » : ما أعطاه اللّه من النعم ، قال أبو النجم : 1999 - . . . * كوم الذّرى من خول المخوّل « 1 » فمعنى خوّلته كذا : ملّكته الخول فيه ، كقولهم : موّلته ، أي : ملّكته المال . وقال الراغب : والتخويل في الأصل إعطاء الخول ، وقيل : إعطاء ما يصير له خولا ، وقيل : إعطاء ما يحتاج أن يتعهّده من قولهم : فلان خال مال ، وخائل مال ، أي : حسن القيام عليه . « وقوله : وَراءَ ظُهُورِكُمْ متعلق ب « تَرَكْتُمْ » ، ويجوز أن يضمن « ترك » هنا معنى « صيّر » فيتعدى لاثنين ، أولهما الموصول ، والثاني هذا الظرف ، فيتعلق بمحذوف ، أي : وصيّرتم بالترك الذي خولناكموه كائنا وراء ظهوركم . قوله : « وَما نَرى » الظاهر أنها المتعدية لواحد ، فهي بصرية ، فعلى هذا يكون « مَعَكُمْ » متعلقا ب « نَرى » ، ويجوز أن تكون بمعنى « علم » فتتعدى لاثنين ، ثانيهما هو الظرف ، فيتعلق بمحذوف ، أي : ما نراهم كائنين معكم ، أي : مصاحبيكم ، إلّا أن أبا البقاء استضعف هذا الوجه ، وهو كما قال ، إذ يصير المعنى : وما نعلم شفعاءكم معكم ، وليس المعنى عليه قطعا . وقال أبو البقاء : ولا يجوز أن يكون - أي : « مَعَكُمْ » - حالا من « الشفعاء » ، إذ المعنى يصير أنّ شفعاءهم معهم ولا نراهم » . وفيما قاله نظر لا يخفى ، وذلك أنّ النفي إذا دخل على ذات بقيد ، ففيه وجهان : أحدهما : نفي تلك الذات بقيدها . والثاني : نفي القيد فقط ، دون نفي الذات ، فإذا قلت : ما رأيت زيدا ضاحكا ، فيجوز أنك لم تر زيدا البتة ، ويجوز أنك رأيته من غير ضحك ، فكذا هنا ، إذ التقدير : وما نرى شفعاءكم مصاحبيكم ، يجوز أن لم يروا الشفعاء البتة ، ويجوز أن يروهم دون مصاحبيهم لهم ، فمن أين يلزم أنهم يكون معهم ولا يرونهم من هذا التركيب . وقد تقدم تحقيق هذه القاعدة في أوائل البقرة ، وفي قوله : لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً « 2 » . و « أَنَّهُمْ » سادّ مسدّ المفعولين ل « زعم » ، و « فِيكُمْ » متعلق بنفس « شُرَكاءُ » ، والمعنى : الذين زعمتم أنّهم شركاء للّه فيكم ، أي : في عبادتكم ، أو في خلقكم ، لأنكم أشركتموهم مع اللّه في عبادتكم وخلقكم . وقيل : « في » بمعنى « عند ، ولا حاجة إليه . وقيل : المعنى أنهم متحملون عنكم نصيبا من العذاب ، أي : شركاء في عذابكم إن كنتم تعتقدون فيهم أنكم إذا أصابتكم نائبة شاركوكم فيها . قوله : « بَيْنَكُمْ » قرأ نافع والكسائيّ وعاصم في رواية حفص عنه « بَيْنَكُمْ » نصبا ، والباقون 0 بينكم » رفعا . فأما القراءة الأولى ففيها سبعة أوجه : أحسنها : أن الفاعل مضمر ، يعود على الاتصال والاتصال وإن لم يكن مذكورا ، حتى يعود عليه ضمير ، لكنه تقدم ما يدل عليه ، وهو لفظ « شُرَكاءُ » ، فإنّ الشركة تشعر بالاتصال ، والمعنى : لقد تقطع الاتصال بينكم ، فانتصب « بَيْنَكُمْ » على الظرفية .
--> ( 1 ) شطر بيت انظر مجاز القرآن ( 2 / 188 ) ، الخزانة ( 2 / 390 ) اللسان ( خول ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 273 ) .